المهاجر الأعظم.... قراءة في صفحات الاغتراب

                                                                                                                               بقلم د. محمد الحبش

دين ودنيا
الجمعة
19/ 1/ 2007
 

لم يصدق النبي الكريم ] أنه سيضطر يوماً للهجرة من بلده, وحين أخبره ورقة بن نوفل في أيام النبوة الأولى بذلك سأل مستنكراً: أو مخرجي هم?? ولماذا يخرجونني وقد جئتهم بعز الدنيا وسعادة الآخرة?? ولكن ورقة بن نوفل قال له بكل مرارة: نعم! إنه لم يأت احد بمثل ما أتيت به إلا عودي, وليتني أكون فيها جذعاً إذن أنصرك نصراً مؤزراً!!‏

ولكن الأيام جاءت بصدق ما توقعه ورقة, ومع أن مكانته في قريش كانت وفق ما أسمته قريش: الصادق الأمين, ولكن ما إن أفصح عن إشراقه وحدثهم بمشروعه التنويري حتى وجد نفسه محاصراً في شعب أبي طالب من قبل أعداء طالما كانوا يمدحونه ويثنون عليه من قبل, ومن ثم وجد نفسه محاطاً بأربعين من أشرار العرب كلهم يحد ذؤابة سيفه ليصيب منه مقتلاً, ويرجو أن يسبق إلى رأسه ينال مائة من الإبل الموعودة, وبدل وصفه بالصادق الأمين صاروا يقولون: ما نعلم سخلة في العرب جاء قومه بأشأم مما جاء به محمد!!‏

هكذا غادر مكة وبدأ مشواره مهاجراً ومغترباً, وكان علينا أن نتعلم من اغترابه كما تعلمنا من محرابه.‏

وكان حديثه في اغترابه بالغ التأثير في متبعيه فقد كان ينطق من معاناة وقهر, وهذه في الواقع سمة الشعر الاغترابي عموماً, فهو شعر صادق ومؤثر, وأذكر أنني حين قرأت موسوعة الشعر العربي التي أصدرها الأديب العزيز أحمد قبش, كنت أتخير من كل باب في مقاصد القصيدة عدداً من الأبيات التي أشعر أنها أكثر صدقاً أو عاطفة من سواها, وهكذا فقد جرى قلمي على تخير بعض الشعر وتجاوز بعض, وانتقاء الرجل قطعة من عقله, ولكن عندما وصلت إلى شعر الاغتراب لم أجد سبيلاً لشطب شيء منه, فالحق أن شعر الاغتراب كله يقع في أرقى منازل العاطفة الصادقة ومن العسير أن تجد سبيلاً لتجاوز أي قصيدة كتبها شعراء الاغتراب, وحين تتأملها بعاطفة صادقة ستشعر على الفور بأنها مجبولة بمدامع الأسى وأن سطورها مهما كانت منتظمة ووقورة فإنها تختزن صخباً صارخاً من داخل الذات يستعصي على الضبط والتحكم.‏

ومع ما يراه المغترب في غربته من حضارة وثراء ولكنه يظل يتفطر حنيناً لوطنه وأرضه:‏

بلاد ألفناها على كل حالة وقد يؤلف الشيء الذي ليس بالحسن‏

وتستعذب الأرض التي لا هوى بها ولا ماؤها حلو ولكنها وطن‏

وهذه الحقيقة القاسية كان بلال يغنيها بصوته العذب لإخوته من المهاجرين أول نزولهم بالمدينة, فيبكي معه الوحش والطير:‏

ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بمكة عندي إذخر وجليل‏

وهل أردن يوماً مياه مجنة وهل يبدون لي شامة وطفيل‏

وشارك النبي الكريم في بكاء الوطن كما شارك في بنائه, وكان بذلك يعزز موقعه البشري كإنسان تتحرك في داخله عواطف الجوى, ورآه الناس يبكي حين سمع أصيل الغفاري يغني في وصف مكة, وفي هياج عاطفي دافئ قال: يا أصيل دع القلوب تقر!!‏

ولكن إلى جانب دروس الهجرة الكثيرة التي نسمعها كل يوم , فإن المعنى الذي يتعين أن ندركه هنا هو أن النبي الكريم لم تكن أرض هجرته مجرد قاعة انتظار يتعين عليه أن يمضي فيها سحابة هجرته حتى يؤذن له بالإياب, بل إنه مع أول يوم من وصوله كان يحمل للأرض التي هاجر إليها الحب الكبير, وفيها رسم صورة ضيف أديب يحترم ثقافة البلد التي يحط فيها, ويحسن إليها ويخدمها, وتمكن من إيقاف الحرب الأهلية, ومضاعفة الرقعة الخضراء في المدينة, حتى صارت المدينة محجاً لكل راغب.‏

حين فاضت دمعته عند ثنيات الوداع من مكة حانت منه التفاتة لمكة فقال: اللهم إنك أحب بلاد الله إلي ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت, بالمناسبة فإن ثنيات الوداع هي أول ما يبدو من البلدة للقادمين إليها, وعند هذه الثنايا كان يقف من أراد أن يودع أو يستقبل, وفي شرق دمشق أول طريق حلب يوجد طلوع الثنايا, وكذلك عند جبل الكسوة يوجد جبل الثنايا الذي تبدو دمشق من خلال ثناياه, وقد كان وداع محفل الحج يتم تاريخياً عند ثنيات الوداع في الكسوة, ولا تزال أغنية فرقة الأنصار من فتيات المدينة أشهر أغنية في العالم يغنيها الناس على امتداد العالم الإسلامي:‏

طلع البدر علينا من ثنيات الوداع‏

وجب الشكر علينا ما دعا لله داع‏

وفي المدينة ثنيتان للوداع واحدة استقبل بها الأنصار النبي الكريم لدى قدومه مهاجراً والثانية استقبلوه فيها لدى إيابه من غزوة تبوك, وفي المرتين كان نشيدهم: طلع البدر علينا من ثنيات الوداع. وعلى الرغم من حرارة الاستقبال التي حظي بها في أرض هجرته فقد كان قلبه معلقاً بمكة, وكان يقلب وجهه في السماء ينتظر أن يأذن له الله بالعودة إلى قبلة أبيه وجده في مكة, حتى نزل القرآن بالاستجابة لأمنيته وقال له الله تعالى: قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره.‏

في أولى تجارب الهجرة التي مارسها الصحابة إلى الحبشة فإن الأرض التي احتضنتهم في أكسوم أعجبت أيضاً بوفائهم لها وإخلاصهم لترابها, وحين تعرض النجاشي للهجوم من قبل بعض أخصامه في غمار الحروب الأهلية التاريخية في الصومال وإثيوبيا فإن الصحابة وقفوا صفاً واحداً إلى جوار النجاشي وكان الزبير بن العوام يسبح في النيل فيبيت مع القوم ويعرف ما يبيتون ثم يضع النجاشي أمام ما يدبره له أعداؤه, وقد عرف لهم النجاشي ذلك الوفاء, ولم يكن يتردد في الإشادة بالنبوة الخاتمة التي يدعو إليها هؤلاء, وحين رزق بغلام سماه مباشرة: جعفر, وهو اسم غير معروف في الحبشة, وذلك وداداً بالصحابة الكرام الذين نزلوا الحبشة في وفادة النجاشي برئاسة جعفر بن أبي طالب!‏

إن الدرس الأهم الذي نقرؤه في الهجرة النبوية المباركة أن المغترب الأول ] كانت تتنازعه عاطفتان قويتان: الأولى الحنين إلى الوطن والثانية هي الإحسان إلى الأرض التي آوته, وفاء وحباً وكرامة.‏

وأعتقد أن درس الهجرة يحمل لكل مغترب درس الوفاء للأرض التي يقيم به وللأرض التي ينتمي إليها, ويمنح المؤمن وعياً بشرف الإقامة وفضل الهجرة, ورسالة المؤمن في الإحسان إلى الأرض وهو ما عبر عنه القرآن أًدق تعبير بقوله: وقولوا للناس حسناً, ولا تعثوا في الأرض مفسدين.‏
 

 

 

 

 

 

 

بقلم الدكتور محمد الحبش

مركز الدراسات الإسلامية بدمشق   http://www.altajdeed.org
هاتف: 4418402  فاكس: 4460665  ص.ب: 9616
E-mail:
drhabash@scs-net.org