English

   الصفحة الرئيسية   > الدكتور محمد الحبش > الدكتور محمد والتجديد

الدكتور محمد والتجديد

 

لقد شهد العالم تحولاً دراماتيكياً في السنوات الأخيرة ربما لا يعدله تحول منذ قرون فقد أصبحت صلة الإسلام بالعالم أوضح من أي فترة خلت في التاريخ ولم يعد بإمكاننا أن نتقوقع على الذات، ولم يكن ذلك بدافع التطورات التقنية والتكنولوجية والثورة في عالم الاتصالات فحسب وهي أسباب كافية لوحدها لإنجاز التغيير المذكور ولكن دخول المواجهة بين العالم الإسلامي والغرب مرحلة جديدة حتم علينا أن تكون إشكالية العلاقة بين الإسلام والآخر على رأس أي بحث من بحوثنا ودراساتنا.
إن ما يمكن قوله هنا أن كثيراً من أشكال العلاقات بين الإسلام والغرب مردها إلى عدم معرفتنا بطريقة تفكير الآخر، وهنا يصبح الحديث عن إصلاح الخطاب الإسلامي على رأس أولويات رجال التنوير والتجديد.
يتحرك الخطاب الإسلامي في وعي
الناس في حركة لولبية حلزونية هابطة حيث نتعاطى الحديث عن الواقع الإسلامي على أنه الأمل الذي يبحث عنه العالم في سائر أنشطته التي يفكر فيها.
إنني أعتقد أن المشروع الإلهي في الأرض الذي ينطلق مع خلق الإنسان يتجه إلى أسمى غاية يمكن أن يعرفها أحد حين يتحدث عن وحدة الوجود الإنساني ووحدة الخالق.
إن الهدف الذي تسعى إليه هذه الأوراق مهما كانت الظروف التي كتبت فيها إنما هو تحقيق مزيد من المحبة بين بني البشر وتوجيه العاطفة الدينية بحيث تكون رصيداً للبناء والخير والمحبة، وليست حالة انتقامية وإقصاء للآخر.
لدي شعور بأننا نفرط في أقدس شعور يتملك الإنسان حين نأذن لهذا الشعور أن يتحول من أداة بناء إلى أداة هدم، ومن لغة وحجة إلى منطق شتات، ومن صيغة محبة إلى حالة كراهية.
إن الدين من وجهة نظري يمكن تحديد مقاصده الكبرى بما استقر في فطرة الإنسان منذ خلقه الله، ويمكنني جمع ذلك في إحدى عشرة كلمة كنت قد جعلتها عنواناً لمحاضرات متسلسلة في جامع الرازي، وهي: التوحيد والعدل والخير والحب والجمال والعفاف والطهارة والحرية والمساواة والشورى وحسن الخلق، وهي مقاصد أحسب أنها واضحة في الفطرة كما هي واضحة بالنص، وهي قدر مشترك بين سائر بين آدم مهما اختلفت أوطانهم وأمكنتهم وبلدانهم.
لقد طرح الغرب بصراحة منطق صدام الحضارات استجابة للوعي الجمعي المختزن في الثقافة المادية التي تقر ببساطة منطق البقاء للأقوى وهو المنطق الذي كان وراء نجاح الإنسان الأبيض في أمريكا على الإنسان الملون حيث قام الأوروبيون عن عمد وسبق إصرار وتصميم يقتل الملايين من أبناء القارة الأمريكية من قبل أن توجد هذه التسمية ، وبالإمكان شرح المسألة على الشكل التالي: إن قانون الطبيعة الذي لا يتخلف أبداً في أن البقاء للأقوى ومن حق السمك الكبير أن يأكل السمك الصغير ومن حق الذئب أن يأكل الغنمة وإلا فهل أنتم بلا رحمة من أين إذن سيعيش؟ وقاعدة البقاء للأقوى التي تطبق في سائر أنواع الحيوانات هي عينها ما يجب أن يطبق على مستوى الإنسان أيضاً وأن الصراع بين البشر كالصراع بين الحيوانات أمر طبيعي وقدري فلماذا يشذ عنه هذا الإنسان المشاغب؟


حين أراد الغرب أن يقدم الأدلة على أن الإسلام يحمل في ذاته بذور الصراع وأن على الغرب أن يتعامل معه على طريقة الغاب اقتل أو تقتل، فإن الشرق الإسلامي طرح البديل حضارياً على أتم مستوى من الفكر حين قدم السيد خاتمي مشروعه الحضاري: حوار الحضارات، وكانت مفاجأة في الواقع للجميع وباعتباره رئيساً للمجموعة الإسلامية فإن اقتراحه لقي دعماً في الأمم المتحدة التي اختارت تسمية العام 2001 عام حوار الحضارات.
ولكنني مع ذلك أعتقد أن تعبير حوار الحضارات لا يفي بالطموح الإسلامي الذي يتطلع إلى أفق أسمى وهو اشتراك البشرية جمعاء في البناء الحضاري، ويدعو إلى وحدة الحضارة الإنسانية، وهذا بالضبط ما أتطلع إلى رسم ملامحه من خلال ما أكتب وما أخطب وما أتمكن من تقديمه للجمهور الكريم.
 
لقد طرح الغرب مشروع صدام الحضارات، ونادى به متنبئون أشرار من صمويل هانتغتون إلى جيري فالويل إلى بات روبنسون الى فوكوياما، إلى جراهام  بيل وولده فرانكلين بيل، ولكننا هنا في الشرق الإسلامي رفضنا ذلك منذ البداية ودعونا بوضوح إلى حوار الحضارات ويسجل للرئيس الإيراني خاتمي هذا الإنجاز ، فقد أطلقه من فكرة تتداولها مراكز الثقافة إلى مطلب للكتلة الإسلامية في الأمم المتحدة وذلك بوصفه رئيسا آنذاك لمنظمة المؤتمر الإسلامي ، وتم تحقيق نجاح هام حين سمي عام 2001 عام حوار الحضارات  استجابة إلى مطلب الرئيس الإيراني والمجموعة الإسلامية.
إن الحضارة إنجاز انساني ويشترك فيها مفكرون ومجتهدون من سائر الأعراق من الشعوب ، فلا توجد حضارة تبدأ من الصفر ، بل إنها تؤسس على ما أنجزه السابقون وطوره اللاحقون .
لقد طفت بمشافي ألمانيا وكنت أجد فيها بصمات ابن سينا وعقاقير الرازي ومباضع ابن زهر تماما كما كنا نجد في مشافينا أيام المجد الإسلامي يد أبقراط وكما تجد في بناء المسجد الأموي هندسة إقليدس ومعادلات فيثاغورس، وحين نتعاطى اليوم مع الموبايل والحاسوب فمن غير الممكن تجاوز دور ابن الهيثم في تصحيح وصفه للمناظر والمرئيات وإرهاصاته المبكرة في اكتشاف سرعة الضوء وهو أهم إنجاز على الإطلاق في عالم الاتصالات، ولا يمكن إدراك الوعي الديمقراطي الذي ينعم به العالم المتقدم من غير تذكر دور حمورابي وجوستنيان وعمر بن عبد العزيز.
إن الحضارة إذن إنجاز إنساني لا يمكن أن ينهض ويتألق ألا عندما ندرك لغة التكامل والتواصل ، وفق القاعدة القرآنية الذهبية : نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم .
وهو المعنى الذي عبر عنه الرسول الكريم في إطار رسالات الأنبياء : مثلي ومثل النبيين قبلي كمثل رجل بنى داراً فأحسنها وأكملها إلا موضع لبنة فكان الناس إذا مروا بها يقولون ما أحسن هذه الدار لولا موضع هذه اللبنة، فكنت أنا تلك اللبنة وأنا خاتم النبيين.
هذه الحضارة الأوروبية التي تجعل من الكوكب الأرضي قرية صغيرة لا يمكن قراءتها بدءاً من إعلان ماسترخت ولا من اتفاقية فرساي ولا حتى من الثورة الفرنسية ولا من عصر النهضة ولا من شارلمان ولا حتى من مدونة جوستنيان !! كيف يمكن أن ننسى روح القانون التي حررها حمورابي  ومطالعة أفلاطون ومناجاة أخناتون؟؟ ربما كان أعظم إنجازات الحضارات إنما هي تلك الإنجازات التي لا يمكنك أن تنسبه إلى فرد بعينه ولا حتى إلى أمة بعينها ، ومن بين أعظم خمس اختراعات عرفتها البشرية لا يمكن لأحد أن يستثني اكتشاف الكتابة واكتشاف النار وكلاهما مقيد باسم مجهول لا يحصره وطن ولا قارة ، ولكنه شريك كامل في الإنجاز الحضاري للإنسان ، أيا كان شكل هذا الإنجاز ولونه.
إنها اللحظة الحاسمة في الصعود الإنساني، اللحظة التي تبدأ فيها الأمة ببناء مستقبلها في عالم لم يعد يجدي فيه شيئاً التقوقع على الذات واختيار العزلة، وندرك فيه أن المقاصد الخيرة للبشرية إنما هي تراث مشترك بين الشرفاء جميعاً في الأرض، وأن المشترك أكثر مما نعتقد، وأن التمييز بين الخير والشر لا يخضع لمنطق الجغرافيا، ولا حتى للميثولوجيا وإنما يخضع للمنطق القرآني الخالد: فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره، وكل نفس بما كسبت رهينة، وإنما تجزون ما كنتم تعملون
.

 

إنها صيحات طرحتها في منابر متعددة وجمعتها من مظان متفرقة، وقد قوبلت بالترحيب حيناً وبالريبة أحياناً وبالهجوم أحياناً أخرى، ولكن لا بأس فهذا قدر كل فكر جديد يعترض على الآبائية في الاتباع، وهو الصدود نفسه الذي لقيه أصحاب الرسالات: وكذلك ما أرسلنا قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون.
الآية واضحة وضوح الشمس أن التنوير الذي جاءت به الأنبياء هو التنوير الذي ينظر إلى المستقبل ولا يتحنط في الماضي، من المؤسف أنه لا توجد اليوم أمة في الأرض تعتقد أن الناس كانوا قبل ألف عام أكثر وعياً وإدراكاً ومعرفة، إلا هذه الأمة وبينما يبعث القرآن الكريم في الأمة روحاً تجديدية تتطلع إلى المستقبل فإنه تشيع لدينا عبارات تقديس الماضي بدون وعي، فكل خير في اتباع من سلف وكل شر في ابتداع من خلف، وقف على ما وقف عليه الأولون فإنهم عن علم وقفوا!! وأصبحت الحرب على البدعة حرباً على الإبداع، مع أن النبي الكريم كان واعياً لحاجة الأمة في التجديد والإبداع والتنوير وقد قال بوضوح: من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، وقد تم للأسف طمس ضياء هذا الحديث بتأويله على أنه خاص بمن أحيا سنة أميتت مع أن النص أعم من ذلك وأشمل.
إن دور النبوة في إحياء رسالة العقل ينبغي أن يكون حاضراً في الوعي الإسلامي، ولولا ذلك لما كان لختم النبوة معنى، لقد كان الأولون يقولون لنبيهم ابعث لنا ملكاً وبذلك كانوا يعفون أنفسهم من مؤونة النضال السياسي من أجل اختيار الأصلح للبلاد والعباد، وكانوا يقولون ادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها وبذلك كانوا يعفون أنفسهم من مؤونة الضرب في الأرض وابتغاء فضل الله، وربما بلغ بهم اللجاج حداً قالوا فيه ادع لنا ربك يبين لنا ما عمرها(البقرة) وما لونها وما هي؟؟ وهكذا فإن رسالة العقل هنا تغيب مع وجود النبوة ومن غير المعقول أن تختتم النبوة إذا كانت علاقة الإنسان بالوحي إلى هذا المستوى من التفصيل.
ولكن الرسالة الخاتمة كان لها رأي آخر، فها هنا نبي كريم يصرح في عشرات المواضع في القرآن الكريم أنه بشر مثلكم، قل ما كنت بدعاً من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم، قل إن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون، وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين،  يسئلونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السموات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة يسألونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون، قل لا أملك لنفسي ضراً ولا نفعاً إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون، ومع أنه صرح بذلك مراراً وقال بوضوح في أمر الساعة ما المسؤول عنها بأعلم من السائل ولكننا للأسف اليوم نضرب بهذه النصوص الواضحة عرض الحائط، ونروي ما شاء لنا الوهم من أنباء آخر الزمان نرويه عن النبي الكريم كأنه حفي عنها، ولدينا اليوم مجلدان ضخمان فيما روي في أشراط الساعة، الإذاعة في أشراط الساعة، والإشاعة لما كان ويكون بين يدي الساعة وهو تماماً (بالنص) من الغيب الذي صرح الرسول الكريم بأنه لا يعلمه، ولكننا ننقله عنه ونتعسف في تأويله في كل جيل بحيث ينسف التأويل اللاحق التأويل السابق، وليس بعيداً من ذلك ما راج بين الناس من أحداث التاسع من أيلول فالآية هي المئة والإحدى عشرة عدد طوابق البرج والسورة التاسعة وهو شهر أيلول(مع أننا عادة ما نحصي بالشهور العربية في الشأن الديني) والجزء الحادي عشر، ولاكتمال المشهد أصبح اسم الشارع شارع جورفينهار!!، كمن أسس بنيانه على شفا جرف هار!!! إنه منطق مضحك بكل تأكيد ولكن ما سخر منه الناس اليوم وعدوه سفسطة سيصبح ذات يوم جزءاً من هذا التراث وسيرويه في المستقبل الذين رووا الإشاعة والإذاعة وأشباههما، حتى إن كثيراً من المؤسسات الرسمية في السعودية وجدت رائدها الفضائي سلطان بن سلمان في القرآن الكريم، وكانت تكتب على لوحات ظاهرة: إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والارض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان!!
إن هذه النبوة الخاتمة لم تكن محض تكرار لتجارب الأنبياء من قبل، ولو قد مضت كذلك لكان علينا الآن أن ننتظر نبياً لنسأله عن الدواء والغذاء والاقتصاد والري والزراعة والقضاء والبرلمان، وعن معالجة الترهل الإداري وفك التشابكات والتحاصص الضريبي، ولكن الشريعة الخاتمة كانت نهاية تغييب العقل والاتكاء على وحي الغيب، وصرح النبي الكريم بقوله: أنتم أعلم بأمر دنياكم، وهو موقف شجاع وفريد، يجبن عنه حكام زمنيون، ولكن الروعة كل الروعة أن ينطق به خاتم الأنبياء.
لقد قدمت هذه الدراسة في حوار وجداني داخلي، أشتكي فيها منطقنا الغيبي السائد في التعاطي مع النبوة على أساس تحييد العقل، جعلته  على نهج شكوى وجواب شكوى لإقبال:
يا رسولاً لم يكن في الناس بدعاً        لم يكن يدري خفايا الحادثات
ختموا الرسل به كرهاً وطوعاً         ثم كفــوا فيه أنفاس الحياة
يا رسـول الله يا مـن وجهه          أشرقت منه الليالي مصبحات
هـل لـدى كفيك برء مثله        يمنح السالك أسرار الحيــاة
أيها الصادق أشـواقك في            غارك العالي شفاء للقلوب
كنت تلقيها على سمع الدجى       وتلقاها على
جنح الغيوب

 
إن التجديد مطلب حقيقي سارت الأمم في سبيله حتى أمكنها أن تتغلب على رواسب الماضي وتبني مستقبلها على أساس من النجاح والتوفيق، وهذا التجديد الذي يخاف منه بعض أفراد الحرس القديم من (أهل الكتاب) قادم إن شاؤوا أم أبوا ولن تؤخره عن ميعاده إلا مسافة الطريق.

 منذ أن ثارت فرنسا    بدأ الغرب العراكا
لم تعد تبصر فيها       بعده إلا ارتباكا
هي ذي روما التي شاخت على العهد القديم
تحتسي خمراً جديداً معها البابا ندبم
في دم المسلم  هذا اليوم نفس  الغليان
هو سر الله عن تكراره كل اللسان
فارقبوا الواثب
وارقبوا الكوب الذي يختاره ماء السماء
.

 

مركز الدراسات الإسلامية بدمشق
هاتف: 4418402  فاكس: 4460665  ص.ب: 9616
E-mail:
hbshco@net.sy