الدين المعاملة 

 

الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونسترشده ونؤمن به ونتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا محمد ونبينا وحبيبنا محمداً عبده ورسوله، وأشهد أنه صفيه وحبيبه وخليله وأنه إمام الأنبياء وتاج الأصفياء وناصر الحق بالحق والهادي إلى صراط مستقيم.

أما بعد أيها الإخوة والأحبة فإني أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل وأحثكم وإياي على طاعته واعلموا أنه لا شرف أعلى من الإسلام ولا كرم أعز من التقوى، ولا معقل أحوج من الورع، ولا لباس أجل من العافية ولا وقاية أمنع من السلامة.

أيها الناس إنه من نظر في عيب نفسه شغل عن عيب غيره ومن رضي برزق الله لم يأسف على ما في يد غيره، ومن سل سيف البغي قُتل به، ومن حفر لأخيه حفرة وقع فيها، ومن هتك حجاب غيره انكشفت عورات بيته، ومن تكبر على الناس ذلّ، ومن سفه على الناس شُتم، ومن خالط العلماء وُقِّر، ومن خالط الأنذال حُقِّر، ومن حُمِّل ما لا يطيق عجز عن أدائه.

أيها الإخوة أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل وأحثكم وإياي على طاعته واعملوا أنكم تُدعون إلى لقاء الله عز وجل فما أنتم قائلون، } إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً { وإن الله سبحانه أخذ نفسه بالحق لأهل الحق، ودعا أهل الصبر إلى الصبر وبشرهم برغد جنته وحذرهم من هول لقائه وهو سبحانه وتعالى يشتاق إلى الأبرار كما يشتاق إليه الأبرار.

اللهم اجعل آخر كلامنا من الدنيا لا إله إلا الله، واجعل أول ما نسمعه من الآخرة نداءك: طال شوق الأبرار إلي وأنا أشد إليهم شوقا، اللهم اكتبنا في أهل الشوق إليك.

وبعد أيها الإخوة والأحبة فقد اخترت اليوم أن نتوقف عند قولي الأول الدين المعاملة وهو المعنى الذي نقرأه في خطاب الله عز وجل } لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ { إنه منهج رباني خالد في بيان منازل أهل النعيم في الجنة وأنها مركَّزة على العمل الصالح وإن كثيراً من الناس يحسبون يا سادة أنهم يبلغون مدارج الجنة بطول صلاةٍ وطول صيام وطول ذكر وطول أذكار وأوراد، والحق أن خطاب القرآن غير ذلك من أطاع الله فطاعته لنفسه، من صام فصيامه لنفسه، من صلى فصلاته لنفسه ولكن أولئك الذين يبلغون منازل العلا من أهل الدرجات هم أولئك الذين تحسن أخلاقهم بالعباد ويلقون الله عز وجل بأحسن المعاملة وأطيب المعاملة وأحسن الحال مع الله عز وجل قال r: (( أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، قال: المفلس من يأتي يوم القيامة وقد شتم هذا وضرب هذا وأكل مال هذا فيأخذ هذا من حسناته ويأخذ هذا من حسناته حتى إذا لم تبقَ له حسنة جاء الناس بأوزارهم فألقوا أوزارهم على أوزاره حتى يكبه الله في نار جهنم )) أولئك الذين يتعين عليهم أن يدركوا درب الجنة بأنه درب أعمال لا درب آمال، وذُكِرَ للنبي r امرأة تُحسن الصلاة والصوم، تصوم النهار فلا تفطر وتقوم الليل فلا تنام ولكنها تؤذي جيرانها فقال r: (( هي في النار )) لأن منازل الأبرار في الآخرة مع الذين أخذوا أنفسهم بحسن المعاملة، لقد صرنا إلى زمان يُقيّم الناس فيه من مقامهم في الصف الأول في الصلاة، يُقيّمون من صومهم كل اثنين وخميس، ولكنهم عند ميزان المعاملة يأكلون من الحرام ويمدون أيديهم وأبصارهم إلى حرام، ويقومون في مقام الحرام فأنّا يستجاب لهم، وذكر النبي r الرجل أشعث أغبر يُطيل الدعاء والضراعة ومطعمه حرام ومشربه حرام وغُذي بالحرام فأنى يُستجاب له، كان ذلك بياناً من المصطفى r أنَّ منازل الأبرار إنما تحكمها سلوكياتهم في الخلق والمعاملة ومن زاد عليك في الخلق زاد عليك في التصوف، ومن زاد عليك في المعاملة زاد عليك في الدين، ألم ترَ أن النبي r قال وقوله الحق (( تجدون الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا )) فالإسلام مقام يرقى فيه أهل المعروف وأهل الإحسان وقال الله عز وجل في الحديث القدسي: (( ليس كل مصلٍ يصلي إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع لعظمتي وكف شهواته عن محارمي ولم يصر على معصيتي وآوى الغريب وأطعم الجائع وأغاث الملهوف وكسا العريان ذلك الذي أتقبل منه عمله وهو عندي كبعض ملائكتي يباهي به الله عز وجل ملائكته، وإن الله ليباهي بالشاب الطائع، إنها مقامات المعاملة أيها الإخوة، ليس هذا تنقيصاً من قدر الصلاة والصيام ومن قدر الذكر والطاعة والتهجد وكلن من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدا ولكن ما تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدا.

إن الله إذا أعطى أدهش وإذا حاسب فتش فارقبوا الله في أعمالكم يا أصحاب المال وارقبوا الله في دينكم يا أصحاب الدين، واسألوا الله ولكن لا تبخسوا حق عباده فإن حقوق الله بنيت على المسامحة وإن حقوق العباد بُنيت على المشاححة وإن المؤمن يموت بين حسنتين بين حسنة قد بذلها وحسنة يسعى إليها وفي أصحاب النبي r كانت أم المساكين زينب بنت خزيمة كانت تحسن إلى الناس، كانت من أحسن الناس أداءً وعطاءً فخطبها رسول الله فكانت زوجته شهرين ثم اختارها الله ونالت منزلة أم المساكين، وأما أبو المساكين فكان جعفر بن أبي طالب فكان الناس يحبون معاملته وحديثه وكانوا يحبون معاملته في كل شيء حتى سماه رسول الله r أبا المساكين ومات وهو أبو المساكين عليه رضوان الله.

وبعد أيها الإخوة والأحبة فإن رسول الله r لم يكن أحد يجالسه إلا حسبه أحب الناس إليه وما صافحه r أحد فنزع يده حتى يكون الصحابي هو الذي يفعل ويطيل البسمة في وجوه الناس، كان يطوف يوماً فوطئت قدمه قباء إعرابي فالتفت الأعرابي مغضباً إلى رجل وطئ بقدمه قباءه فكان اليوم يوم حجة الوداع وقد اجتمعت الأعراب من كل وجه في مكة المكرمة لا يعرف أحدٌ أحدا ولم يكونوا قد رأوا رسول الله من قبل فلم غضب الأعرابي والتفت رأى رجلاً قد وطئ على قباءه فقال مغضباً أوطئت على قبائي يا صبيح الوجه والله لولا صباحة وجهك لشكوتك إلى رسول الله قال الرجل فاشكني إلى رسول الله، قال ومع صباحة وجهك تسألني أن أشكوك إلى رسول الله والله لأفعلن فأخذ بزنده وجعل يجره، فجعل الناس يتواثبون عليه ويسلمون عليه بتحية النبوة حتى أدرك الأعرابي أن الرجل الذي يشده من زنده هو رسول الله r فاغرورقت عيناه بالدموع.

أيها الإخوة حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا سودوا أوراقكم البيضاء في الدنيا قبل أن تسود يوم القيامة.

وبعد أيها الإخوة فإن المعاملة على مراتب ثلاثة في مقام الأفراد وفي مقام الجماعات وفي مقام الأمم، فالفرد في أخلقه وتعامله يحب الناس وتحبه الناس ويألف ويؤلف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف والمعاملة في الجماعة المؤمنة الصالحة أن تقبل من ينضم إليها وأن تعذر من يخالفها أن تقبل القبول وتعذر الاختلاف، وإن من شؤم الجماعات أن تتحول في ساعة الخلاف إلى وحوش ضارية تنهش في لحم من خالفها حتى تورد نفسها الموارد، وهكذا يجب أيضاً أن تكون المعاملة بين الدول وهذا باب يجب أيضاً أن نتذكره وإنه لا يشفع للدول أن تقوم على رعاية المساجد ثم تتولى ظلم العباد والبلاد إن المعاملة أيها الإخوة هي التي تبوء الأمم أيضاً مكاناً رفيعاً، إنه لا بركة لحكومات تتظاهر بخدمة الإسلام وترعى المساجد وتنفق على رمضان ثم بعد ذلك تسم الشعب ألوان العذاب، ثم بعد ذلك تغتر بأنها تُرضي الرحمن، إنه لا يتحقق رضا الرحمن وظلم الإنسان في وقت واحد، إن رضا الله إنما يكون عندما تقوم الأمم والحكومات بما يتعين عليها، قبل شهرٍ من الآن كان أهلنا في لبنان يتعرضون لأبشع غزو وحشي عرفته البلاد العربية خلال العصر الحديث وكانت الطائرات الأمريكية التي يركبها طيارون مجرمون صهاينة يقصفون في كل وجه، وكان عدد من الحكام العرب مشغولون بتقديم دروس الموعظة والنصيحة للمقاومة الفلتانة الداشرة وكانوا بذلك يغرون عدوهم للمزيد من القهر والعنف، إنه أيضاً لون من المعاناة، هل يشفع لهؤلاء مساجد تُبنى ومصاحف تُطبع وهم يخذلون إخوانهم في ساعة المحنة، إنه أيضاً سؤال كبير ،عندما نقول الدين المعاملة فيجب أن نسأل المسلم عن أخيه المسلم والجماعة المسلمة عن الجماعات المسلمة.

إن درس المعاملة هذا ينبغي أن يسمعه كل أحد ولن تشفع لنا مصاحف تُطبع ولا مساجد تُبنى ولا صلوات تُقام إذا كنا عاجزين إذا كنا نأخذ على يد الظالم وأن نمنح المظلوم عوننا وتأييدنا.

أيها الإخوة لعل هذا الأخير يحمل الرسالة لحكام العرب ولعلكم تحملون الرسالة لأنفسكم فتكتبون على صحائف بيضاء من هم خصماؤك في الأرض، فإن كان لك خمسون خصماً فاجهد على أن تجعلهم عشرين وإن كانوا عشرين فاجهد على أن تجعلهم عشرة، فإنك أن تلقى الله يوم القيامة بخصم خير من أن تلقاه باثنين وأن تلقاه بلا أخصام أهون من أن تلقاه بأخصام واعلموا أن حقوق الله بًُنيت على المسامحة وأن حقوق الناس بُنيت على المشاححة وإنه حتى الشديد يغفر له كل ذنب إلا حقوق الناس، ومن حج فلم يرفث ولم يفسق خرح من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وإن الله يسأل كل راعٍ عما استرعاه ،نعم ذكر الفقهاء أن الشديد يخرج بنفسه وماله فلا يعود منها بشيء وهو صادق في جهاده فإن الله يتولاه بالعناية ويؤدي عنه حقوق الناس وذلك قوله تعالى:}  سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ # وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ {

أسأل الله أن يجعلنا من أولئك الذين يؤدون الحقوق وأن نستعد لشهر رمضان برد حقوق الناس إلى أصحابها وأن لا نفرح بشطارة نأخذ بها مال الغير، وأن لا نفرح بشطارة تؤدي إلى خسارة فإن ميزان الله لا يُخدع ولا يُكذب عليه وهو الحق وليس بالهزل } قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السّـَمَاوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ { وأقول قولي وأستغفر الله.

 

 

 

 

خطبة الجمعة للدكتور محمد الحبش في جامع الزهراء بالمزة دمشق - سورية

مركز الدراسات الإسلامية بدمشق
  فاكس: 4460665  ص.ب: 9616


مراسلة الدكتور محمد الحبش على البريد الإلكتروني التالي:
            DrHabash@altajdeed.org

الدعم الفني للموقع والملاحظات على البريد التالي:
WebMaster@altajdeed.org