ذو القرنين

 

الحمد لله، الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله نحمده ونستهديه ونسترشده ونؤمن به ونتوكل عليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا ومولانا وحبيبنا محمداً عبده ورسوله، وأشهد أنه إمام النبيين وسيد المرسلين وناصر الحق بالحق والهادي إلى صراط مستقيم.

اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً وعملاً متقبلاً يا أرحم الراحمين.

أما بعد فيا عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل وأحثكم وإياي على طاعته، وأستفتح بالذي هو خير.. واعلموا أنكم تموتون كما تنامون وتبعثون كما تستيقظون وأنكم تُجزون بالإحسان إحسانا وبالسوء سوءا، واعلموا أنكم تلقون ربكم كما خلقكم حفاةً عراةً غرلاً قالت عائشة: النساء والرجال يا رسول الله قال: (( النساء والرجال )) قالت: واسوءتاه!! قال r: (( لكل امرئ منهم يومئذٍ شأن يغنيه )) اللهم ارحمنا إذا برق البصر } وَخَسَفَ الْقَمَرُ # وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ # يَقُولُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ # كَلا لا وَزَرَ # إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ # يُنَبَّأُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ {.

اللهم ارحمنا إذا عرق منا الجبين وكثر منا الأنين ويئس منا الطبيب... اللهم ارحمنا بقدرتك علينا لا نهلك وأنت رجاؤنا يا الله يا مولى المتقين....

وبعد أيها الإخوة والأحبة فها نحن نمضي بحمد الله ورضوانه إلى مساجد الله إلى البيوت التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه وقد أنفقنا كثيراً في بناء المساجد فماذا صنعنا من أجل صناعة الساجد.... قمنا ببناء المعابد فهل تمكنا من بناء العابد الذي يجعل لهذه المساجد معناها   وروحها إنها ثقافة القرآن يقرأها المؤمن رجاء أن يشرق الله سبحانه وتعالى في فؤاده بالخير والهدى والحب والجلال والكمال.

أيها الإخوة والأحبة لقد اخترت اليوم أن نتوقف عند سورة نقرؤها في كل يوم جمعة سورة الكهف في سورة الكهف أربع قصص ذكرتها الآيات القرآنية لم تتكرر في موضع آخر في القرآن الكريم، كثيرٌ من القصص القرآني تكرر هنا وهناك وكلنا يعلم أن القصص القرآني تكرر في كتاب الله في مواضع كثيرة فقصة آدم وردت في سورة البقرة ووردت في سورة الأعراف وفي سورة الحجر وفي سورة طه وفي سورة الإسراء وفي سورة صاد، وقصة موسى وردت في نحو عشرين سورة من القرآن الكريم لكن هذه القصص الأربع جاءت يتيمة لم تتكرر في القرآن الكريم مع أنها هامة وضرورية ولكن يبدو أن الله عز وجل شاء أن نقرأها كل أسبوع فكان ذلك بمنزلة تكرارها في القرآن الكريم، القصص الأربع هي قصة أصحاب الكهف وقصة صاحب الجنتين وقصة موسى والخضر وقصة ذي القرنين ولسائلٍ أن يسأل طالما تعودنا في هذا المنبر أن نتحدث عن الحاضر فما الذي عدا مما بدا أن نعود    إلى الماضي ونعيد قراءة الحكايات التي أكل عليها الدهر وشرب، وأقول بعون الله إنها حكايات شرب منها العالم وارتوى منها الخلق ولكنها لا تزال غضةً طرية وهي تتصل بقضايانا كل يوم.

دعونا نتوقف اليوم عند قصة ذي القرنين } وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْراً {  وأريد من خلال خطبة اليوم أن يتذكر كل مسلمٍ أن العودة للقرآن ليست إيصالاً بالماضي بقدر ما هي استبصار بالحاضر والمستقبل، وهكذا شاء لنا الله عز وجل أن يروي لنا قصة ذي القرنين لست هنا من أجل أن أقول لكم من هو ذو القرنين هناك أقوال كثيرة لدى المفسرين منها أنه الإسكندر المكدوني ومنها أنه هانيبعل الإفريقي ومنها أنه تبع الحميري ومنها أنه قورش الفارسي ومنها أنه ملك من الملائكة والله أعلم أي ذلك كان وليس من المفيد الغرق في تفاصيل التاريخ على أنني أميل على أنه كان قورش الفارسي مؤسس الدولة الفارسية وهو رجل امتدت فتوحه شرقاً وغرباً ورفع الظلم عن الناس وعُثر على جثته وتمثاله فيما بعد وكان يلبس تاجاً عظيماً فيه قرنان عظيمان فلعل ذلك كله من القرائن أنه هو ذو القرنين لا يهمني أن أنتصر لهذا الرأي ولا لغيره وغاية ما يهمني أن نقف عند دلالات ذو القرنين كما يرسمها القرآن الكريم والقرآن ينبئك أن ذو القرنين كان رجلاً صالحاً وكان حاكماً صالحاً وضربه القرآن مثلاً للحاكم الصالح وإذ أضربه اليوم مثلاً على هذا المنبر فأنا أريد أن يتذكر الحاكم أنه إنموذجاً وأن يتذكر أيضاً كل من يحكم في هذه الحياة، فالرئيس حاكم في شعبه والنائب حاكم في ناخبيه والأب حاكم في أسرته والمدير حاكم في موظفيه والأستاذ حاكم في طلابه وصاحب الورشة حاكم في عماله وهؤلاء جميعاً معنيون بقصة ذي القرنين علينا إذاً أن نجرد الخبر من مزلقه التاريخي ونبعثه كواقع يتعلم منه الناس لأننا نتحدث عن كلام رب العالمين ويسألونك عن ذي القرنين، كان أصحاب النبي r وعرب قريش يسألون رسول الله عن ذي القرنين وغاية ما كانوا يريدون أن يعرفوه عن ذي القرنين هو اسمه واسم أبيه وتاريخ ولادته ووزنه وحجمه ولكن القرآن ذهب في أفق آخر فلم يحدثهم عن شيءٍ من هذا وإنما قال: } قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْراً { سأخبركم بما يهمكم من خبر ذي القرنين، دعونا من تفاصيل هويته الشخصية يجب أن ندرس ما يمكن أن نتعلم من خلال قراءة ذي القرنين } إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً # فَأَتْبَعَ سَبَباً { ومعنى ذلك واضح أن الله عز وجل مكنه في الأرض ولا يمكن أن يكون الحاكم إلا إذا تمكن في الأرض ومن أراد أن يبصر معنى الحاكم الذي لم يمكن له فلينظر إلى أولئك الذين جعلوا ظهرهم يستند إلى المحتل وها هم اليوم عاجزون لا يستطيعون أن يحموا أنفسهم ويجلسون عاجزين لا يصنعون شيئاً، إن القرآن يخبرك بأن الحاكم يجب أن يمكن له في الأرض } إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً # فَأَتْبَعَ سَبَباً { ومعنى ذلك أنه كان يحيط بمسائل الأشياء، وهنا نرى المواءمة بين توفيق الله وبين سعي الإنسان إن الله وفّر له من الأسباب فكان عليه أن يمضي في قانون الله عز وجل لبناء الحياة فأتبع سببا } حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ { وهي قراءة حفصٍ عن عاصم والقراء بقراءة ( تغرب في عينٍ حامية ) والمعنى واحد غير أن قراءتنا أضافت معنى الحمأ المسنون إلى معنى الحمو والسخونة فالحمو والسخونة مفهوم من كونها عينٌ حامية وتشبيهها بالحمأ المسنون الذي طال عندما يطول بسطوع الشمس على التراب يتحول التراب إلى الحمأ المسنون فإذا تبخر بعدئذٍ صار فخاراً فالحمأ المسنون مرحلة بين الطين وبين الفخار وهذه إشارة إلى أن الأرض التي كان يعيش فيها هؤلاء كانت تسبغ ذلك الحمأ بمعنى أن الزراعة قد فسدت فيها ولم يعد الناس يقومون بحق الله فيها وكان ذلك نتيجة للظلم الذي يظلم فيه الأقوياء الضعفاء، إن القرآن يرسم لنا في المشهد الأول مشهد مجتمعٍ إقطاعي كان أولئك المتنفذون يمصون كالعلقة دماء الشعب وكان الناس ينزحون تحت الفقر حتى صارت عين شمسهم تغرب في عينٍ حمئةٍ حتى إن الأرض تشكوهم إلى الله أنهم لم يكونوا فيها بما ينبغي وهي نتيجة الظلم، كان على ذي القرنين أن يدرك رسالته في ذلك المغرب من الشمس } قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً {.

} حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْراً # كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْراً { ذو القرنين الحاكم الصالح وصل إلى موضعٍ في الشرق وهناك رأى الناس لا يجدون ستراً من الشمس ولا أعرف تعبيراً عن الفقر أبلغ من هذا قد لا يجد المرء طعاماً يأكله اليوم لكن يجده غدا أما أن لا يجد ثوباً يلبسه فمعنى ذلك أنه في فقرٍ مستمر لأن المرء يكفيه ثوب كل سنين ربما يحتاج طعاماً كل يوم ولكن يكفيه ثوب كل سنين فإذا عجز أن يلقي على بدنه ثوباً فمعنى ذلك أنه في غاية الإدقاع في الفقر هنا يوضح القرآن العدو الثاني أمام الأنبياء هو الفقر، ليس عدو الأنبياء الفقراء بل الفقر هو عدو الأنبياء وعدو الفقراء وهنا شمّر ذو القرنين عن ساعد الجد وعلم أن عليه أن يأخذ من جيوب الأغنياء فيرد في الفقراء وأن يحرث في الأرض من أجل أن يُخرج خيراتها وأثقالها وان يعود على الناس حتى يجدوا لهم من الشمس سترا وحتى يجدوا طعاماً ويجدوا مأوىً } كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْراً { والمعنى أخبرناك بما يصنع ذو القرنين لقد أخبرناك أنه في مغرب الشمس قام بإنتاج العدل لأنه رأى الظلم } كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْراً { فالخبر أنه قاوم الجهل في الشرق كما قاوم الظلم في الغرب أعداء الأنبياء هي هذه المعاني التي تُمتحن بها البشرية وينهض الأنبياء لتخليص الناس منها } ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً # حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْماً لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً { المرض الثالث الذي واجه الأنبياء إذاً هو مرض الجهل إنهم لا يكادون يفقهون قولا سادت فيهم الأمية والجهل والخرافة والشعوذة والسحر فكان عليه أن يخلصهم من هذا واسترسل القرآن الكريم في بيان الجهل هنا فأخبر أنه بسبب جهلهم تسلط عليهم عدوهم } قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً { إنهم كانوا يعانون إذاً من قومٍ أشرار يأجوج ومأجوج وكانوا يريدون أن يواجهوهم ولكنهم كانوا ينتظرون متعهداً يقوم بإنجاز المشروع وهو نائمون وهم كسالى خاملون } قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً { لاحظوا أيها الإخوة في حالة الجهل لم يذكر القرآن الكريم أنهم كانوا يعانون من فقر كان لديهم أموال ولكنهم كانوا ينتظرون شركة أجنبية عملاقة تقوم بحوائجهم ببناهم التحتية التي لا مُعاش لهم من دونها ولكن غلب عليهم التعب والخمول، كان جواب ذي القرنين } فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ { لم يشأن يستورد لهم اليد العاملة لقد رأى فيهم شباباً خاملين وفتياناً كسالى تغدق عليهم الأموال، كان بإمكان ذي القرنين أن يأخذ أموالهم ويبني لهم من السد ما يريدون ولكن رسالة الأنبياء ليست هكذا، رسالة الأنبياء ليست استثماراً في الأرض إنها استثمار في الإنسان، أرادهم إلى توطين العمل فيهم بدلاً من الخارج، لست أدري ماذا سيصنع ذو القرنين إذا جاء إلى هذه الشعوب العربية المترفة.

طلبوا السد ووعدهم الردم والفرق بين السد والردم واضح فالغاية من السد الفصل بينهم وبين أعداءهم ولكن عقليته العلمية والصناعية أبت عليه أن يبني السد بفائدة واحدة وإنما جعله ردماً يصنعون فيه ويزرعون فيه وتقام فيه المناجم ويكون بينهم وبين عدوهم وهذا معنى أنهم طلبوا السد فوعدهم بالردم } آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ { كانت صيحة مدوية في أسماع ذلك الشعب النائم، الأنبياء نقرأهم نحن بطريقة ساذجة وعلينا أن نقرأهم في ضياء القرآن قادة في الكفاح التحرري يبنون الحياة يحبون الحياة ينصفون الناس الأرض هكذا كانوا يدركون.

أيها السادة إذا كان العشر الأواخر من رمضان فإن العبادة هي الاعتكاف في المساجد وصيام النهار وقيام الليل وكلن إذا كان العدو على الأبواب فإن العبادة هي تأسيس خلايا المقاومة والتدرب على السلاح وإرسال المجاهدين في وجه هذا العدو الغاشم وإذا كانت الملاريا تنتشر فإن العبادة هنا ليست الذهاب إلى الحج، العبادة هنا ليست الاعتكاف وإنما تكون العبادة في مساعدة الناس في مقاومة الوباء الذي يعانونه كلها عبادة } وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ { ولكن يحكم وجه العبادة الوجه الذي يدعوك الواجب إليه.

حين وصل ذو القرنين إلى مغرب الشمس لم تكن عبادته أن يقوم الليل كله ويصوم النهار كله كانت عبادته هناك أن يؤسس من طلائع الشعب الثوري حتى يقول } أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً{ .

عندما وصل إلى مطلع الشمس } وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْراً {  لم تكن عبادته آنئذٍ أن يعلم الناس أحكام النقاب كان عليه أن يوفر لهم ما يلبسونه وهم عراة لا يجدون ما يلبسون.

} حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْماً لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً { لم تكن عبادته هناك أن يحفظهم القرآن وإنما كانت عبادته هناك أن يعلمهم الصناعة أن يؤتوه زبر الحديد، لم تكن عبادته أن يوزع لهم الأوراد أن يعقد فيهم مجالس الصلاة على النبي وكل ذلك خير ولكن عبادته هناك كانت أن يقاوم هذا المستبد الذي تسلق على جهل القوم وصار يمتصهم كما يمتص العلق دم الإنسان من شرايينه.

} حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ { وهذا يعجّب القول أن ذلك كان في تلك الحفرة الإنهدامية بين سلسلة جبال تاميان وسلسلة جبال الهملايا من شرق هذا العالم وهناك في تلك الأماكن أغزر مناجم الدنيا مما يتصل بالحديد والرصاص إنكم تنامون على ثروة عظيمة.

أيها السادة ليس هذا درسٌ في الوطنية أو في الكيمياء أو في الفيزياء أو العلوم الطبيعية نحن نقرأ القرآن، إنها قراءة القرآن بعيون الأحياء متى سنكف عن قراءة القرآن بعيون الأموات، إن القرآن نزل للحياة فعلينا أن نقرأه بعيون الأحياء.

} آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا { إن هذه الكلمة تعكس لنا حالة أمة كانت من البلادة والجهل والكسل في الغاية ولكنه مع ذلك استثمر نفَسَهم وهواؤهم وقال: } انفُخُوا {، إن أمة لا تجيد النفخ؟! لا تجيد الحياة؟! لا تستحق الحياة } حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَاراً قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً { عندما أتأمل في الآية وأصل إلى قوله انفخوا أوقن عندئذٍ أنه لم يبقَ في ذلك الشعب يد عاطلة عن العمل، لقد تمكن ذو القرنين من تشغيل المجتمع كله بما فيهم أولئك الذي لا يستطيعون أن يفعلوا شيئاً إلا أن ينفخوا، إن ما فعله ذو القرنين هنا حالة فريدة في تاريخ المصلحين الكبار، إنه رجل أنجز محاربة فظيعة للبطالة حتى لم يعد في هذا الوطن أحدٌ لا يجد عملاً، حتى أولئك الذين لا يستطيعون أن يكتبوا ولا يستطيعون أن يخطبوا..... إنهم على الأقل يستطيعون أن ينفخوا، وهكذا فقد أشرك الشعب كله في حركة الإعمار والبناء } حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَاراً قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً { والقطر هو الرصاص المذاب، وإذا أردت أن تعرف ماذا صنع ذو القرنين عليك أن تعود للخريطة الجيولوجية للوسط الأسيوي فتتصور كيف تمكن من صناعة سدٍ معدنيٍ من النحاس والرصاص ليسد بذلك هجمات يأجوج ومأجوج وليعود الردم للناس بالعافية والخير في الحياة.

} فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْباً { وهنا عبّر القرآن الكريم  بأن رسالة السد قد أنجزت ما أراده ذو القرنين لا ما أراده الناس، إن الناس كانوا يريدون شركةً أجنبيةً تأتي بأيديها العاملة وتتركهم بغفلاتهم ومقاهيهم ومطاعمهم ونومهم وكسلهم ولكن رسالة ذي القرنين كانت } فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً { وها هنا عندما تكتمل الرسالة وعندما يخلص الشعب  من ذيول البطالة ومن ذيول المستعمر ويبعث فيهم الحياة، عندما أنجز مشروعه قال لهم } قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي { هنا دعاهم أن يكونوا شاكرين وذاكرين، عندما أنجز عمله على الأرض قال لهم أين القبلة تعالوا نصلي شكراً لله سبحانه وتعالى أن يسّر لنا هذا الباب من الخير قال } فَإِذَا جَاء وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاء وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً { قرأ حفص عن عاصم ( جعله دكاء ) وقرأ سائر القراء ( جعله دكا ) } وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً { والمراد الإشارة إلى ما يكون في الآخرة من ذكرٍ إلى كل هذه الأشياء التي أنجزها الإنسان } إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا # وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا # وَقَالَ الإِنسَانُ مَا لَهَا # يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا {.

أيها الإخوة هذه باختصار مقاصد.... لمحات....من حكاية ذي القرنين آمل أن تكون قد وقعت في نفس كل حاكم منا، في نفس كل رئيس في بناء دولته، في نفس كل وزيرٍ في بناء وزارته في نفس كل مديرٍ في بناء إدارته وموظفيه، في نفس كلِّ أبٍ في بناء أبناءه، في نفس كل مدرسٍ في إعداد طلابه، كلنا نتعلم من ذي القرنين، هذه باختصار بعض إرادات السماء حين يجعل الله ذي القرنين خبراً على لسان الأنبياء أما التفاصيل الأخرى عن ذي القرنين طوله... عرضه... وزنه... شكل وجهه... فهذه مسائل أتركها لأهل الدجل، أما ما يتردد من أن فلاناً رأى ذي القرنين وفلاناً قابله وفلاناً حدّثه، أرني ماذا صنعت بسنة ذي القرنين، لست سعيداً أن يأتيني ذو القرنين كل يوم صباحاً ومساءً ولكنني سعيدٌ أن أبعث تجربته في المكان الذي يأتمنني الله عليه، هل تعلم رئيس البلدية من ذي القرنين، كيف يجعل من أعضاء بلديته أفراداً للعمل الطوعي يكافحون وهم يبتسمون؟ هل تعلم المحافظ من ذي القرنين كم في رعيته من طاقة معطلة؟ هل تعلم النائب من ذي القرنين كيف المسؤولية التي عهدها الله بمن يلي أمر الأمة؟

أيها الناس كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته } إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً {.

أقول قولي وأستغفر الله.

 

 

 

 

 

 

خطبة الجمعة للدكتور محمد الحبش في جامع الزهراء بالمزة دمشق - سورية

مركز الدراسات الإسلامية بدمشق
  فاكس: 4460665  ص.ب: 9616


مراسلة الدكتور محمد الحبش على البريد الإلكتروني التالي:
            DrHabash@altajdeed.org

الدعم الفني للموقع والملاحظات على البريد التالي:
WebMaster@altajdeed.org