كيف تعيش طويلاً

 

   الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونستهديه ونسترشده، ونؤمن به ونتوكل عليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الخلق والأمر، وبيده الأمر كله، وأشهد أن سيدنا ونبينا وحبيبنا محمد عبده ورسوله، وأشهد أنه إمام النبيين وسيد المرسلين وناصر الحق بالحق والهادي إلى صراط مستقيم.... اللهم صلِّ على سيدنا محمد نبي الرحمة... نبي الهدى والنور.... وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين وآل كلٍّ وصحب كلٍّ أجمعين...

أما بعد فيا عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل وأحثكم وإياي على طاعته وأدعوكم إلى سلوك درب جنته، فإن الله سبحانه وتعالى بيّن لكم أمر رشدكم وإنه عليم حكيم.

 اللهم أرنا الحق حقاً و ارزقنا إتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً وعملاً متقبلاً يا أرحم الراحمين..

أيها الإخوة طوينا عاماً وبدأ عام جديد... وطوينا أعياداً وننتظر أعياداً جديدة... وهذا هو الدهر في كرِّه وفرِّه إقبال وإدبار وفي كل صبح يوم أنت إلى الشباب أبعد وإلى الموت أقرب...

دقات قلــب المــرء قائلـة لــه                         عن الحياة دقائق وثواني

فارفع لنفسك قبل موتك ذكرها                         فالذكر للإنسان عمر ثاني

مضى عام 2006 وبدأ 2007 وكلما مزقت ورقة من أوراق هذا التقويم مزقت يوماً من عمرك وكلما أشرق صبحٌ جديد أصبحت على موعد أقرب من لقاء الله عز وجل، ومن حسابه ووعده ووعيده فليأخذ العبد من نفسه لنفسه... ومن دنياه لآخرته.... ومن عاجله لآجله... ومن مستعده لمعاده... فإنه لا يبقى إلا الله وإن ابن آدم ماضٍ إلى أجله الذي رسمه الله...

أيها الإخوة فيما كنا نودع العام الماضي ونستقبل العام الآتي....فيما كنا بين الآثم والآمل كان يطوف في الخاطر سؤال لا يزال الإنسان يسأله مذ كان الإنسان: كيف تعيش طويلاً؟ كيف تهرب من الموت؟ كيف يمكن أن يتقادم بك العمر فينساك صاحب الموت وينساك صاحب القبر وينساك أولئك المكلفون بآجالك...؟! لقد كانت للإنسان تجارب طويلة في الجواب على هذا السؤال: كيف تعيش طويلاً؟ من أجل ذلك بنى الإنسان هذه البيوت تكنه من برد الشتاء وحر الصيف ويتخذ من جلود الأنعام بيوتاً يستخفها يوم ظعنه ويوم إقامته ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثاً ومتاعاً إلى حين ولكنه ظل يموت..!! اتخذ الدروع الحصينة والقلاع الشامخة واعتصم بها ولكنه ظل يموت...!! بذل الكثير من أجل الطب ووسائله وإجراء الجراحة فيه وتخفيف آلامه ومعالجة أمراضه والقضاء على فيروسه ولكنه ظل يموت ولم يفلح أحد من الأذكياء ولا أحد من الحكماء أن يمد في أجل كتبه له الله يوماً واحداً...

يقول لك الطبيب دواك عندي          إذا ما مس قلبـك والذراعا

ولـــو علــم الطـبيب دواء داء          يرد الموت ما قاسى النزاعا

وقبلك داوى المريض الطبيب           فعاش المريض ومات الطبيب

فقل إذا دخل الشيخ بين الشباب      عزاءً وقد مات طفل صغير

رأيــت اعتـراضــاً علــى الله إذ       توفى الصغير وعاش الكبير

فقل لابن شهرٍ وقـل لابن دهــرٍ        ومـــا بين ذلك هذا المصير

أيها الإخوة والأحبة لقد ظلوا يموتون وعلى الرغم من مجيء أطباء عباقرة ولكنهم ماتوا ودفنوا تحت التراب ولم يفلح أحد من أن يقرأ درس الخلود ولم يفلح أحد أن يكتب له خلود بعد الموت ولم يفلح أحد أن يحظى بالخلود في هذه الحياة وظل الناس يموتون وعلى الرغم مما كتب خلال تاريخ ابن آدم من وجوه كثيرةٍ يمكن أن يتنبه إليها الناس على الرغم من كل ما كتب الإنسان في هذه الحياة من شهود لم يفلح أحد في هذا العالم أن يجعل عمره أطول من عمر السلحفاة، إن الإنسان يمتلك كثيراً من الأسباب التي تكفيه الأخطار ويملك أن يقفز ويثب فوق الأخطار ويملك أن يُوقد الدفء في الشتاء والتكييف في الصيف ولكنه ظل يموت وظلت السلحفاة أطول منه عمراً في إشارة إلى أن الله قهر عباده بالموت، سبحان من قهر عباده بالموت.

إن طبيباً أمريكياً أنجز بحثه العلمي تحت عنوان ( كيف تعيش مائتي عام ) وتمكن من اكتشاف نظام غذائي وصحي يحقق المقولة التي تقول بأن جسم الإنسان مصمم ليعيش مائتي عام وكتب هذا الطبيب أساليبه ووسائله وطبه ونظامه الغذائي الذي إذا اتبعته تعيش مائتي عام ولكن هذا الطبيب نفسه مات وهو ابن 54 والبقاء لله.

عندما عاد الإسكندر من فتوحه العظيمة وقامت أثينا كلها تستقبله واحتشد فلاسفتها وحكماؤها وعظماؤها يفرحون بالإسكندر نظر الإسكندر إلى أستاذه أرسطو طاليس سأل عنه فقالوا إنه في المقبرة فحزن وتكدر، ثم مشى إلى المقبرة ليرى أستاذه الذي ظن أنه سيفرح مع الفرحين قال يا معلم أنت هنا في المقبرة وأثينا كلها تفرح بما أنجزت لها من النصر، قال أرسطو طاليس الحكيم: يا إسكندر أنا هنا منذ أيام، لقد مات قبل عشر سنين خادمي ودفنته عند قبر أبيك وها أنا الآن أميز بين عظام الرجلين فاختلفت عليّ العظام.... لا يوجد شيء تحت التراب، أيمكنك يا إسكندر أن تميز عظام خادمي عن عظام أبيك الإمبراطور، إن درساً راقياً بالإسكندر يتعلم منه الناس ولذلك كتب عند وفاته إذا مت فادفنوني بالتابوت واجعلوا في يمينه ويسراه فتحتين مدوا يدي منهما، وحين رأى الناس جنازة الإسكندر الذي حكم الدنيا لماذا مدت يداه قال الحكماء : أراد أن يقول للعالم إن الإسكندر الذي ملك الدنيا يخرج من الدنيا ويداه خاويتان.

إذا مات ابن آدم انقطع عمله، يخرج معه إلى القبر ثلاثة: أهله وماله وعمله فيعود أهله ويعود ماله ويبقى معه في القبر عمله الصالح، عمله صالحاً كان أو غير صالح وهناك يبدأ الحساب والعذاب.

أيها الإخوة... كيف تعيش طويلاً؟ سؤال يسأله الإنسان كلما مر عام جديد.... كلما طوى عاماً واستقبل عام كيف أعيش طويلاً؟ إن معدلات الأعمار هنا في سوريا كانت في مطلع الخمسينات كانت ثمانية وأربعين سنة للإنسان، مع تقدم الصحة صارت اليوم نحو أربعة وستين عاماً، من مبلغ الثانية والثلاثين فقد صار الآن في النصف الأخير من عمره وفق الإحصاء الذي تصدره وزارة الصحة، من بلغ الأربعين فقد تجاوز قسماً كبيراً من النصف الأخير من عمره وما بقي أقل مما فات ووحده الله عز وجل يكتب الأرزاق والآجال.

كيف تعيش طويلاً؟ سؤال يسأله ابن آدم ومن حقه أن يسأله ولكن الجواب في منطق الإسلام ليس في وقع حياة هذا الجسد ولكنه قصصٌ كتبه الله عز وجل على هذه الروح يغلفها ويكللها زمناً ثم يمضي ولكن الروح باقية فقل لي ماذا أبقيت لروحك وماذا أبقيت لخلدك.

أيها الناس إن خلود الإنسان هو خلود عطاء دينه ورسالته إن عمر الإنسان هو عمر خلوده ورسالته وعطاءه قال r: (( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علمٌ يُنتفع به أو ولد صالح يدعو له )) إنها الأعمار التي تطول، تطول إذاً رسالتك، يطول إذاً عطاؤك وخلدك ولا يطول جسدك، وفي حديثٍ آخر يقول المعصوم (( سبعٌ يجري للعبد أجرهن بعد موته، من حفر بئراً من بنى مسجداً أو ورث مصحفاً أو كرا نهراً أو غرس نخلاً أو ترك ولداً صالحاً يستغفر له من بعده )) فهذه هي مناهج الخلود في الإسلام وفق مناهج تتصل بالروح ولا تتصل بالجسد إن الأنبياء الذين هم أكرم الخلق على الله لم يُكتب لهم الخلود، فحبيبكم r لم يجاوز الثالثة والستين من عمره حتى كان ضيفاً على الله، ومن تأمل رأى أن الدنيا كانت أحوج ما تكون إلى رسول الله ولو كان العمر يباع ويشرى لقدم الناس مهجهم من أجل حياة رسول الله ولكن الله ناداه إيذاناً بأن الجسد لا يبقى وأن الجسد إلى زوال ولكن الروح هي التي تبقى والرسالة هي التي تبقى، وبهذا المعنى وقف سيدنا أبو بكر رضي الله عنه على منبر رسول الله وقال كلمته حتى صارت مثلاً: ( أيها الناس من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ) ماتوا وما ماتت رسالاتهم... ماتوا وما ماتت آثارهم... ماتوا وما مات الخلود الذي صنعوه... } إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ # ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ {.

ابن سينا كان يسمى صانع الحياة لقد ابتكر من العقاقير ما وهب به الحياة لآلاف الناس ولكنه قال على فراش موته:

قل لأخوانٍ رأوني ميتاً                 فبكوني ورثونــي حزنــاً

أنا عصفور وهذا قفصي                 كان سجني وقميصي زمنا

لا تظنــوا أن ميتكـــم         لست ذاك الميت والله أنـا

لا ترعكم هجمـة الموت                 إنما هو انتقــال من هنــا

إنهم يعرفون معنى خلود الروح ولا تكاد هذه الأجساد تنهض في مرأى عيونهم إلا كما تتراءى الصور ويبقى الخلود لمن شاء الله له الخلود.

يوم وقف عمر المختار أمام حبل مشنقته قال لشانقيه إن عمري سيكون أطول من عمر جلاّدي، إنها الرواية التي يتحدث عنه الناس كل حين وهي التي تمنحك إحساساً بأن خلود الرسالة هو البقاء وخلود الروح هو البقاء وقد علّمك رسول الله ما يخلد فيه ذكرك وثوابك سبعٌ يجري للعبد أجرهن بعد موته، من بنى مسجداً ومن ورث مصحفاً أو غرس نخلاً أو كرا نهراً أو ترك ولداً صالحاً يستغفر له وعلمك كيف يخلد ذكرك عبد موتك كيف تخلد روحك بعد موتك بعطاء الرسالة الباقي.

أيها السادة قبل أيام وفي ثاني أيام العيد قمت بزيارة مقبرة الباب الصغير وطفت فيها على ما فيها من مقابر الصحابة وأهل البيت وهم باقون في القلوب أعمارهم طويلة في كل فؤاد بما سلف منهم من عمل صالح، وحانت مني التفاتة إلى قبة خضراء فدخلت إليها فإذا فهيا قبر خادم رسول الله بلال بن رباح الحبشي، دخلت إلى روضته ألتمس عندها الأنس والهدوء فكان قبراً مجيداً مكللاً بالبساط الأخضر الذي يذكر به رغد الجنة، وقفت عند قبر بلال تذكرت أيام هذا الرجل الذي كان محض عبد في الصحراء وكان قميناً أن يطويه رمال الصحراء كما طوى الملايين من أمثاله ولكنه خلّد نفسه... خلّد ذكره... يوم باع نفسه لله، واختار أن يمضي صوتاً يدافع عن الحق ودفع لأجل ذلك شحم ظهره وسواد عينيه وكان يلتمس من ذلك كله رضا الله ومحبة رسوله وفيما كنت أذكر ذلك المقام العظيم الذي خلدته الشام لخادم رسول الله رأيت في حواشيه قبرين اثنين كأنما دُحشا دحشاً في هذه الغرفة الكريمة نظرت في الأول منهما أما المشهد فيوحي إليك بأن هذه القبور المزاحمة لقبر بلال هي قبور أعوانه وخدّامه أو الناظرين إليه بإحسان، أما الأول فقد كان قبر والي سوريا الكبرى المعظم السلطان ناظم باشا الذي كان حاكم سوريا ولبنان وفلسطين والأردن الملوك تزاحم على أعتاب سيدنا بلال من أجل أن تُدفن عند قدميه وأما القبر الثاني فكان لأسعد باشا حاكم ولاية سوريا رئيس سوريا والأردن وفلسطين ولبنان يوصي ويطلب ويكافح من أن أجل أن يُدفن عند قدمي بلال خادم رسول الله أيهما أبقى ذكرى؟ أيهما أخلد اسما؟ أيهما أعلى شأناً؟

وأقول قولي وأستغفر الله

 

 

 

 

 

 

خطبة الجمعة للدكتور محمد الحبش في جامع الزهراء بالمزة دمشق - سورية

مركز الدراسات الإسلامية بدمشق
  فاكس: 4460665  ص.ب: 9616


مراسلة الدكتور محمد الحبش على البريد الإلكتروني التالي:
            DrHabash@altajdeed.org

الدعم الفني للموقع والملاحظات على البريد التالي:
WebMaster@altajdeed.org