الوحدة الإسلامية

الحمد لله نحمده ونستعينه ونسترشده ونؤمن به ونتوكل عليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا ونبينا وإمامنا محمداً عبده ورسوله سيد النبيين، تاج الأنبياء وخاتم الأصفياء سيدنا محمد صلى الله عليه وأصحابه، وأحبابه وأتباعه، ومن سلك هداه بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد فيا عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله واعلموا أنكم تموتون كما تنامون وتبعثون كما تستيقظون وتُحاسبون بما كنتم تعملون وإنها لجنة أبداً أو لنارٌ أبدا والله ولي المتقين واعلموا أيها الإخوة أنكم في دار عمل ولا حساب وتقدمون على دار حساب ولا عمل فليأخذ العبد من نفسه لنفسه ومن دنياه لآخرته والله لا يضيع أجر المحسنين.

اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد في الأولين وفي الآخرين وفي الملأ الأعلى إلى يوم الدين.....

وبعد أيها الإخوة والأحبة فقد انقضى موسم الحج وعاد ضيوف الله إلى بلدانهم ونادى منادٍ يا أهل الشام شامكم ويا أهل العراق عراقكم ويا أهل مصر مصركم وعلى الحياة أن تمضي ويمضي الحج ويبقى درس الحج القائم درس الوحدة والجماعة } وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِـهِ إِخْوَاناً {.

إن الشيطان قد يأس أن يُعبد في جزيرة العرب ولكنــه لــم ييــأس أبـداً أن يحرّش بينهـم } الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً { كان ذلك آخر وصايا النبي r في حرم الله الشريف في يوم الحج الأكبر يوم قال: (( إن الشيطان قد يئس أن يُعبد في جزيرة العرب ولكنه لم ييأس أن يحرش بينهم وقد رضي بما تحقرون من أعمالكم )) وهو الوعد الذي نراه اليوم كلما تأملنا في واقع المسلمين وفي درس المسلمين، إن الحديث عن الحج الأعظم يحملنا مباشرة إلى قراءة مشهد العالم الإسلامي اليوم وفيه ما تدمى له القلوب بعد أن تحولت وحدتهم إلى فرقة وجماعتهم إلى شتات وجمعهم إلى ضياع حتى حق فيهم قول القائل:

محمد هل لهـذا جئـت تســعى                وأتباعــك  الهمــل المشـــــاع

أأســـلام وتضربهــم يهـــــودٌ                         وآســــاد  وتأكلــهم ضبــــاع

شرعت لهم سبيل المجد لكن                  أضاعوا شرعك السامي فضاعوا

إن الأمة الإسلامية اليوم التي تدعى إلى موقفٍ لم تشهده من قبل من تسلط أعداءها وتآمر الاستكبار العالمي ضدها مدعوة أن تدرك اليوم أسباب وحدتها كيف يمكن لهذه الأمة أن تثبت بدون وحدة؟؟؟

    لكل جماعة منا إمام                       ولكن الجميع بلا إمام

إن هذا المشهد من الشتات والهوان يحملنا على دراسة الوحدة الإسلامية بعمق، لماذا فقدنا وحدتنا؟؟ لماذا نرى اليوم الاقتتال الداخلي بين أبناء الأمة الإسلامية يعصف هنا وهناك من دون أن تتنبه الأمة إلى ما يُكاد لها ويُراد بها؟!

أيها الإخوة مذ كان رسول الله بين ظهرانينا وعلّم القرآن الكريم نشأت حول القرآن الكريم مذاهب في التفسير كان بعضها يحترم بعض وإن خالف بعضها بعضاً، ثم نشأت مدارس الفقه النبوي، ثن نشأت مدارس الفقه الإسلامي الشريف فكان المسلمون يختلفون ويحترم بعضهم بعضاً فيقول الشافعية الرأي عندنا كذا وعند السادة الحنفية بخلافه ويقول الحنفية الرأي عندنا كذا وعند السادة المالكية بخلافه وهكذا كان في خلافهم صورة احترام وصورة ثناء وصورة إعذار وهي الصورة التي جعلت مذاهب الفقه الإسلامي تعيش متجاورة متكاملة متزاورة، يثني بعضهم على بعض، ويأخذ بعضهم من بعض وينتفع بعضهم بعلم بعض ونوره، الأمة الإسلامية في تاريخها عرفت ميلاً سنياً وميلاً شيعياً وكانت قراءة هذا الحال تتصل بالبحث عن وحدة الأمة، وكان المسلمون إذا أرادوا اتباع سنة النبي r قرؤوا في كتب الأئمة، وإذا أرادوا محبة أهل بيت رسول الله عمدوا إلى ما خلفوه من فقه ونور فكانت المدارس تتضافر وتتكافل ويسمع كل من كل ويأخذ كل واحدٍ منهم عن أخيه فيكتمل بذلك اجتماع الأمة بنياناً.

أيها الناس كنا منذ قرون سنة وشيعة ولكن لم يكن هذا السيل من الدماء، لأن الاحتلال هو من صنع ذلك، لأن الاحتلال هو من بعث هذه النعرات بين الناس، إنه ليس شيئاً جديداً في تاريخ البشر علينا أن نتذكر مجتمع النبي r، الرسول بين أظهرهم صعد منبره الشريف وهو يسأل الناس: (( أيها الناس ألم تكونوا ضلالاً فهداكم الله بي؟ ألم تكونوا عالةً فأغناكم الله بي؟ ألم تكونوا أعداءً فألف الله بين قلوبكم بي؟ )).

وعندما دعاهم إلى إنصافهم ممن يقع في عرض أهله تواثب ناس من المسلمين وأوشك أن يكون بين المسلمين فتنة وقال سيد الأوس: يا رسول الله مُرنا بأمرك فإن كان من الأوس قتلناه وإن كان من الخزرج لأمرتنا ففعلنا أمرك، وقام سيد الخزرج يقول كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله وتواثب الفريقان أمام رسول الله وتنادى الأوس يا للأوس وتنادى الخزرج يا للخزرج وأوشك أن يكون بين الحيين فتنة ورسول الله قائم بين أظهرهم، رسول الله على منبره وهو يتنادون بدعوى الجاهلية، فجعل يخاطبهم: (( الله الله الله أبدعوى الجاهلية تدعون وأنا بين أظهركم؟ )) إن ما أريد قوله أن النفاق الذي أشرأب في حضرة رسول الله وفي مسجد رسول الله وأوشك أن يقسم الأمة إلى فرقتين متقاتلتين هو نفسه النفاق الذي يجدد المأساة اليوم وهو نفسه النفاق الذي يدلي في نار الفتنة ويعمد إلى أعداء الأمة فيدبر لهم ويعمد إلى أعداء الأمة فيمضي معهم إلى حيث يشاءون من مشهد الهوان والفرقة هذا.

أيها الناس هناك شكلان للوحدة الإسلامية: الأول أن ألغي الآخر وأن لا أعترف به ولا أومن به وها هنا فإن تجارب كثيرة بدأت بإرادة وحدوية وانتهت بدماء وحروب وهلاك وثمة إرادة أخرى وهي أن أقبل أخي المختلف معي مذهبياً وأحترم خياره فيما ذهب إليه وأذكر بما كان يصنعه أئمة الهدى حين يحترم أحدهم خلاف أخيه ونتعاون فيما اتفقنا فيه ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه ويمكننا أن نمضي في ضياء وحدتنا وأخوتنا وجماعتنا إلى الغاية.

هذا المشهد الذي رأيناه في حياة أصحاب النبي r وفي حياة السلف الصالح من التعاون على الهدى والرشاد هو ما نفتقر إليه اليوم، إنني لا أزعم أيها السادة أن التسامح كان صورة واحدة خلال التاريخ، بإمكاننا أن نتذكر كيف استيقظ التعصب في فترات متباعدة من التاريخ، ذات مرة كانت بغداد تشهد هذا الذي تشهده اليوم من الفتنة المذهبية وأحرق الحنفية مساجد الحنابلة وأحرق الحنابلة مساجد الشافعية حصل هذا ذات يوم، ولكن ماذا كانت النتيجة، كانت النتيجة أن رسول الله قال فيما يرويه عن ربه تعالى (( إذا عصاني من يعرفني سلطت عليه من لا يعرفني )) حين تحول الخلاف المذهبي إلى اقتتال، حين تحول الخلاف المذهبي إلى خصام سلّط الله علينا المغول وجاءوا من سفوح هملايا وحطموا مدائن الإسلام، لم يعد في تلك المساجد قلوب  تجتمع على المحبة فأرسل الله المغول ودمروا كثيراً من عواصم الإسلام وهلك الشافعية والحنفية والحنبلية والمالكية لأن عدونا لا يفرق بين مذهبٍ ومذهب، وكيف كان الخلاص؟ حينما استيقظ رجال الهدى يحملون رسالة الدين الحق، يتسامون فوق كل خلاف وتوجهوا إلى عواصم المغول وهناك تمكنوا من أن يعيدوا صبغة الإسلام ضياءً وهدى وأن يبعثوها حتى في قلوب عدوهم وهنا المشهد الذي خلده إقبال بقوله: ( بغت أمم التتار ) نعم كان بغياً كبيراً سلّط على هذه الأمة بفرقتها وشتاتها ولكنهم عندما نهضوا من جديد يعلمون روح الإسلام الباقية في المحبة والتسامح أعادوا جذوة الحب وتمكنوا من إدخال المغول أنفسهم في الإسلام وتحولت جيوش المغول إلى جحافل من الدعاة تؤسس لممالك إسلامية ولا زالت إلى الآن أعظم المساجد في الشرق الإسلامي هي تلك التي بناها المغول ولا تزال إلى اليوم مدارسهم ومساجدهم معالم هدى تذكرك بيوم دخل الإسلام إلى قلوبهم عن طريق الحب والرحمة وقد قال إقبال:

بغت أمم التتـار فأدركتهـا             من الإيمـان عاقبـة الأمـاني

وأصبح عابد الأصنام قدماً              حماة البيت والركن اليماني

أيها الإخوة إن اختلاف هذه الأمة رحمة إذا هو وُضع في سياق الاختلاف وإذا احترم المسلم اختلاف أخيه وإذا رأينا في الأمة الإسلامية قدراً كافياً من احترام المسلم للمسلم واحترام الأخ لأخيه.

أهل البيت عليهم رضوان الله أئمة للهدى، كان ينتفع بهم سائر أبناء محمد r على اختلاف مذاهبهم، علمونا كيف نتناسى الأحقاد، علمونا كيف نتجاوز المحن، ذات يوم كان علي بن أبي طالب في محرابه يوم دخل عليه ابن طلحة بن عبيد الله، إسحاق ابن طلحة وكلنا يعلم ما وقع بين طلحة وعليٍ من فتنة وحرب، وعندما رأى علي إسحاق بن طلحة بباب المسجد وثب إليه فاعتنقه وقبّله وقال أهلاً بأخي وابن أخي إني أرجو أن أكون أنا وأبوك من الذين قال الله فيهم } وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ { قال رجل من أهل الكوفة الله أعدل من هذا، يريد بذلك أن الله لن يجمع طلحة وعليٍ في الجنة كأن بيده مفاتيح الجنة والنار، نظر إليه علي نظرة غضب وقال أنت صاحب فتنة لا يظلني معك سقف أبداً، نحتاج إلى ثقافة مثل هذه تتجاوز الجراح والماضي والتاريخ وتنظر إلى المستقبل.

ذات يوم دخل رجل إلى جعفر الصادق وحين خلا به جعل يقع بأصحاب رسول الله فذكر بعضهم بسوء فلما أطال نظر إليه الإمام جعفر فقال له: ويحك يا هذا، هل أنت ممن قال الله عنهم في سورة الحشر سؤاله هل قرأت سورة الحشر هل أنت ممن قال الله عنهم للفقراء المهاجرين الذين أُخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً وينصرون الله ورسوله وأولئك هم الصادقون، هل أنت منهم من الصادقين؟ قال: لا، قال فهل أنت من } وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ { قال: لا، قال: ولا أظنك من الذين جاؤوا من بعدهم } يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ {.

أيها الإخوة والأحبة هو ذا التاريخ بين أيديكم بأبيضه وأسوده  فانظروا إلى تاريخكم بعين مشرقة وقلبٍ سليم، فانظروا إلى تاريخكم وتخيروا ما يجمعكم واذكروا أنها أمة قد خلت، } تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ {.

اللهم وحِّد راية أمة محمد واجمع كلمتهم على الهدى والحب والخير وأقول قولي وأستغفر الله.

 

 

 

 

خطبة الجمعة للدكتور محمد الحبش في جامع الزهراء بالمزة دمشق - سورية

مركز الدراسات الإسلامية بدمشق
  فاكس: 4460665  ص.ب: 9616


مراسلة الدكتور محمد الحبش على البريد الإلكتروني التالي:
            DrHabash@altajdeed.org

الدعم الفني للموقع والملاحظات على البريد التالي:
WebMaster@altajdeed.org