مواقف عند الفتن ....

                         سعد بن أبي وقاص مثالاً

 

الحمد لله، الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونسترشده ونؤمن به ونتوكل عليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا وحبيبنا محمداً عبده ورسوله، وأشهد أنه إمام النبيين وسيد المرسلين، وناصر الحق بالحق والهادي إلى صراط مستقيم.

أما بعد فيا عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل وأحثكم وإياي على طاعته، واعلموا أن الله سبحانه أنزل هذه الشريعة رحمةً للعالمين فمن لم يكن في فؤاده رحمة فليس من هذه الشريعة في شيء...

اللهم افتح علينا فتوح العارفين..... اللهم افتح لنا أبواب فضلك.... وانشر علينا خزائن علمك برحمتك يا أرحم الراحمين....

وبعد أيها الإخوة والأحبة وإذ أصعد هذا المنبر فيكم ونحن نتابع كل يوم ما يجري في هذه الأمة الإسلامية وإلى أين يُراد بها أن تمضي وأحياناً نهرب من هذا الواقع لنتحدث عن أشياء في الفضائل ولكن لا يطاوعك القلب ولا يسامحك العقل عندما تُشيح بوجهك عن العناء الذي تتكبده الأمة وعن هذا الموقف الذي صار يعصف بالناس في كل وجه من دون أن يكون لك رسالة تحملها للأمة في كل أسبوع...

اللهم اجمع كلمة المسلمين.... اللهم وحّد رايتهم..... اللهم انصرهم على عدوهم.... اللهم اصرف عنهم نزغ الشيطان واجمعهم على الحق.... واجمعهم على رضاك....

والحق أيها الإخوة أننا تحدثنا طويلاً عن الفرق بين الجهاد وبين الفتنة.... بين الجهاد الذي ينبغي أن يمضي المسلم فيه للدفاع عن الحق ولحماية الأمة وبين الفتنة التي ينبغي أن يتجنبها المؤمن وقلنا إن جهاد النفس متحقق في المعنيين فلا يمكن الإقدام في ساعة الجهاد بدون مخالفة للنفس ولا يمكن الإحجام في ساعة الفتنة بدون مخالفة للنفس

وخالف النفس والشيطان واعصهما             وإن هما محضاك النصح فاتهمِ

الدم اليوم يغلي في العراق، ولبنان وفلسطين على وشك حرب أهلية قادمة مجنونة ونحن هنا في بلاد الشام يعصمنا الله سبحانه وتعالى ونرجو أن يديم الله الاستقرار ولكن علينا أن تعلم كيف نتحدث أيها الإخوة في أيام الفتنة هذه لقد رجعت في هذا الأسبوع إلى سيرة أصحاب النبي r وهم منارات الهدى لكل مستهدي وهم منارات النور لكل مستنير وأحببت اليوم أن نقف عند واحدٍ من أصحاب رسول الله لنقرأ ونتعلم منهم كيف تصرفوا أيام الفتن، كيف أقدموا وقت الجهاد وكيف أحجموا يوم الفتنة، كيف كانوا في الصفوف الأولى في بدرٍ وأحد، وكيف كانوا في الصفوف الأخيرة في يوم الجمل وصفين، كيف رفعوا رؤوسهم بذكر بدر، وكيف أحنوا رؤوسهم خجلاً مما صنعه المسلمون في حروب الفتن التي لا تنتهي أبداً.

توقفت عند رجلٍ من أصحاب رسول الله كان ذات يومٍ حاكماً على العراق وتمنيت لو يُتاح لي أن أصعد منبر بغداد وأن أخاطب أهل العراق بثقافة هذا الحاكم المسلم سعد بن أبي وقاص عليه رضوان الله، حاكم العراق بعد الفتح، الرجل الذي قاد  معركة القادسية، الأسد في براثنه، وأول من رمى سهماً في سبيل الله، الرجل الذي رمى بألف سهلٍ في سبيل الله يوم أُحد.

سعد بن أبي وقاص ما أحوجنا اليوم إلى مدرسته ونحن نرى مشهد الدم في بغداد، اليوم أيها الإخوة أكثر من أي يوم تغلي الدماء في هذا العراق الجريح ويتزاحم الناس على مراكب الموت ويحتشد العباد على فرق الموت ويسفك المسلم دم أخيه المسلم عياناً جهاراً نهاراً في سبيل الله، تعالوا نتعلم من أصحاب رسول الله ماذا صنعوا يوم الفتن.

إن النبي r قال: (( ستكون فتنٌ القاعد فيها خيرٌ من القائم، والقائم فيها خيرٌ من الساعي، قالوا بمَ تأمرنا يا رسول الله، قال: إلزم بيتك وانتظر الساعة ولو أن تعض بأصل شجرة، قال: يا رسول الله أرأيت إن دخل داري وأراد قتلي، قال إن خفت أن يبهرك شعاع السيف، فألق ثوبك على وجهك يبؤ بإثمه وإثمك وتكون عند الله من الناجين )) إنه لونٌ من الجهاد أيها الإخوة لا تقدر عليه ذل النفوس، لونٌ من الطاعة لأمر الله والاستجابة لله والرسول إذا دعاكم لما يحييكم، يبدو مستحيلاً في عصر الثأر هذا، في عصر الحقد هذا، في عصر الانتقام هذا الذي نراه كل يوم.

في مشهدٍ كهذا يجب أن نقرأ مشهد أصحاب رسول الله r.

أما سعد بن أبي وقاص وهو الرمز الذي أهديه لأهل العراق اليوم، سعد بن أبي وقاص كان رابع أربعة في الإسلام وقيل بل كان سادس ستة لم يسبقه إلى رسول الله أكثر من خمسة أشخاص، وحين أكرمه الله فرأى نوراً ينقذف في قلبه مضى عند الصباح حتى أوى إلى رسول الله واستمع منه وشرح الله صدره للإسلام وهو ابن سبعة عشر عاماً، سعد بن أبي وقاص لم تكن تنقصه الشجاعة والجرأة، كان أول من رمى سهماً في سبيل الله قبل أن يؤمر الناس بالجهاد وقبل أن يُؤذن لهم برد العدوان أخذ سهماً فرمى به أعداء الله فشجهم وقال رسول الله r له: (( زادك الله حرصاً ولا تعد )) وكان أول دمٍ أُريق في سبيل الله.

وفي يوم أُحد رمى سعد بألف سهمٍ في سبيل الله كان سيفاً بتاراً، كان مقداماً مغواراً شجاعاً لا يُشك في رجولته وبطولته، وأصابه مرض الموت وكان شاباً وكان يأخذه في الصباح فنقول لا يمسي ويأخذه في المساء فنقول لا يُصبح ولكنه ظلّ وفياً لرسالته وظل مقداماً في ساعة الجهاد، وجاء يوماً إلى رسول الله بكل ماله وقال يا رسول الله إن المرض يأخذني وليس ورثة فأرجو أن تنفق هذا المال في سبيل الله وكانت له بنت واحدة فرد رسول الله المال عليه وقال له: (( إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس )).

ومضى سعد في مشواره مع رسول الله شاب ثائر كالنار لم يكن يسمع عن ملحمة من ملاحم الإسلام إلا وهو من أبطالها.

لقد كان رجلاً يعاني من مرض الموت ولكنه كان به شوق إلى حياة الأمة ولم يشأ أن يكون عضواً في أي فتنة من الفتن التي وقعت وعندما طلب معاوية الخلافة في الشام وبُويع علي في المدينة وانتقل بعد ذلك إلى الكوفة وبدا أن الأمة ماضية إلى التحام طائفيٍ وفتنة مذهبية وفتنة لا ترحم، كان الناس ينظرون بعيونهم وبأعناقهم إلى سعد بن أبي وقاص ما أنت قائل يا سعد ، وسعد الذي كان إذا غضب غَضب لغضبته سبعون ألف سيف لا يسألونه فيما غضب ولكن الرجل الشجاع الذي رمى بألف سهمٍ يوم أحد والذي كان من رمى بسهمٍ في سبيل الله، مضى إلى سهامه فكسرها ومضى إلى داره ولم يشأ أن يكون شريكاً في فتنة من هذا النوع أبداً وحين كتب إليه علي بن أبي طالب يدعوه إلى نصرته وكان يعلم منزلة عليٍّ في الأولين والمهاجرين ولكنه كان يراها أيام فتنة ولم يشأ أن يستجب لدعوة علي وأكثر علي إليه الوسطاء ولم يشأ سعد بن أبي وقاص أن يستجيب وعلم بالأمر معاوية فكتب إليه يا سعد بن أبي وقاص إنك من أنت من أصحاب رسول الله وفضله وعلمه وكرمه وجوده وقد علمت أنك تركت أمر هذا الدعيّ فتعال إلينا وبنا ننصر الإسلام وإنك لا تستطيع أن تكفّر خذلانك في نصرة عثمان إلا إذا طالبت بدمه معنا وخرجت معنا بدم عثمان.

كتب سعد بن أبي وقاص على ظهر الورقة التي وصلته مع الرسول الذي جاءه من معاوية:

معاوية داؤك الداء العيـاء      وليس لما تجــيء به دواء

أيدعوني أبا حسـنٍ عـليٍ      فلم أقبـل عليــه ما يشـاء

وقلت أعطني سيقاً بصيراً      تميـز به العـــداوة والبـلاء

أتطمع في الذي أعيا علياً       على ما قد طمعت به العفاء

ليوم منه خير منك حيـاً        وميتاً أنـت للمـــرء الفــداء

كتب إليه أتراودني على ما أعيا علي؟ أتراودني على ما رددت به علي بن أبي طالب إنها أيام فتنة يا رجل وقد كسرت سهامي وأحرقت كنانتي ولم أشأ في هذه الفتنة المجنونة، أعطني سيفاً بصيراً يميز أولياء الله من أولياء الشيطان، إنها أيام فتنة يا رجل.

ولم يشأ أن يكون سعد بن أبي وقاص أن يكون طرفاً في أي من تلك الملاحم المخجلة في تاريخ الإسلام وحين قُتل سيدنا عليٍ رضي الله عنه وبايع الناس الحسن بن علي وبايع أهل الشام معاوية دخل عليه أهله والناصحون كان منهم هاشم بن عتبة وابنه عمر بن سعد وقال يا أبتي ألا أعجب من رأيك ألا ترى أمة محمد تدخل في هذه الفوضى لم يعد من أصحاب العشرة المبشرين إلا أنت ،لا يوجد تحت السماء أحد جمع له رسول الله أبويه إلا أنت، أنت فاتح العراق وأنت حاكم العراق وأنت ظلمت من قبل الخلفاء قم وخذ لأمرك بالسيف ووراءك أربعون ألف سيف لا يسألوك فيما غضبت، يغضبون لغضبك ويرضون لرضاك، أما سعد بن أبي وقاص فقد نظر إلى ولده عمر بن سعد وقال ويحك يا بني لقد بايعت رسول الله أن لا أكون في فتنة، أريد من أربعين سيف سيفاً بصيراً واحداً أميز به العداوة والولاء، أميز به عدو الإسلام من وليه.

في هذا الأسبوع وصلتني رسالتان مصورتان بالبلوتوث:الأولى لإمام كبير له لفة عظيمة ولحية كبيرة وهو يتحدث في جموع بالمئات في بغداد يقول لهم الوهابي إرهابي يجب قتله وكل من يشك في قتله يجب قتله وقد كفر بالقرآن وفي الوقت نفسه وصلت رسالة أخرى لأربعة عشر رجل مقيدين والسكين تحز رقابهم واحداً واحداً يذبحهم وهو يقول تسبون أمنا عائشة وبعد ذلك يقول اللهم تقبل منا أعمالنا اللهم لا تدخل الرياء فيما صنعنا.

الفيلمان موثقان وددت لو أعرضهما هنا في المحراب ليعلم الناس أين ذهبت أمة محمد، ماذا بقي من رسالة محمد في الحب، أين هي رسالة النبي الذي يقول: ((من قتل عصفور بغير حقه سأله الله عنه يوم القيامة )).

أيها الناس نحن لا نتحدث عن أوهام، إن جنون الموت الذي أحدثكم عنه قد صار حدود بلادنا وهناك من يريدنا وقوداً لهذه الفتنة المجنونة، إن كل الذين يريدون أن نقتحم غبار الموت هذا رأوا واحداً فقط الشريطين ولكن يجب أن نرى الشريطين معاً وأمثالهما كثيرة.

سعد بن أبي وقاص أخرج ولده عمر بن سعد وأخرج هاشم بن عتبة وأغلق عليه بابه، إنه قرار بالخروج من هذا العالم المجنون، هذا هو الرجل الذي لا يعرف في تاريخ الإسلام رجل أشهر منه جرأةً وشجاعة، أول من رمى سهماً في سبيل الله، أول من رمى بألف سهم يوم أحد، لم يكن موقفه جبناً ولا تخاذلاً، لم يكن له أصلاً رجاءٌ في الحياة، لقد كان الموت ينهش لحمه كل ساعة ولكن كان يرجو لأمته الحياة، فعندما علمهم كيف يتجنبون الفتن ما ظهر منها وما بطن.

نعم أيها الإخوة إنها مسؤولية الزعماء والقادة والمرجعيات وغير ذلك ولكن هناك مسؤولية على المسلم، عليك أن وعليّ أن.

نريد أن يكف الناس عن هذا الموقف كالقطيع وان نستمع إليهم وهم يأمروننا بقتل الناس ويكفرون الناس ويزندقون الناس لا كرامة لمنبرٍ يتحدث عن تكفير المسلمين، لا كرامة لعمامة تتحدث عن زندقة المسلمين وتكفيرهم الكرامة لمن يتحدث عن وحدة الأمة، لمن يطفئ النار، لمن يطفئ الحريق، لمن يعصم الدماء، لمن يتحدث عن الإسلام الذي هو رحمة للعالمين.

أيها الإخوة لقد تحدثت بحرقة القلب وثمة كلام كثير ولكن ما أتمناه هو أن نتذكر وصية النبي r وهو كلام لا يحتاج إلى شروح.... فتنٌ القاعد فيها خيرٌ من القائم، الهارب فيها خيرٌ من الباقي لا يمكن أن تُحسم هذه المسائل، لا يحسم الدم بالدم ولا الحديد بالحديد، أسأل الله أن يعصم دماء المسلمين، إني آمل أن يكون بياني في مسؤولية الفرد، إنه كلام وددت لو أني قلته على منبر بغداد وسامراء والكوفة، أخشى ذات يوم أن أقوله على منبر دمشق.

أيها السادة إن هذا الموقف الذي ننتظره من المسلم موقف سعد بن أبي وقاص هو ما ينبغي أن يكون، هنا وفي مجالسنا وفي احتفالاتنا وفي لقاءاتنا وفي أفراحنا وفي أحزاننا عندما يخرج خطيب لينفخ في كير الفتنة يجب أن يطفئه ألف صوت، كرامة هذه المنابر عندما تدعو إلى المحبة والوحدة والخير والرحمة ولا كرامة فيما سوى ذلك.

اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه.... وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه..... ولا تجعلهما مشتبهين علينا فتختلف عليهما قلوبنا.....

وأقول قولي وأستغفر الله.

 

 

 

 

 

خطبة الجمعة للدكتور محمد الحبش في جامع الزهراء بالمزة دمشق - سورية

مركز الدراسات الإسلامية بدمشق
  فاكس: 4460665  ص.ب: 9616


مراسلة الدكتور محمد الحبش على البريد الإلكتروني التالي:
            DrHabash@altajdeed.org

الدعم الفني للموقع والملاحظات على البريد التالي:
WebMaster@altajdeed.org