|
بقلم admin
|
|
Monday, 22 February 2010 |
|
دمشق 23/ 2/ 2010 - هل للدين مكان في الحداثة؟ مادامت الحداثة تحديثاً وتغييراً، فهل للدين فيها - وهو المطلق والثابت - مكان؟ سنجيب عن السؤال من ثلاث زوايا.
أولاً: من زاوية تطور مفهوم الحداثة (أو التحديث الذي هو فعل الحداثة) الدراسات الأولى كانت تركز على أنه يعني تحطيم كل العناصر التقليدية، وتجعله مرادفا للتغريب، ونموذج التحديث فيها وحيد وفريد هو المجتمعات الأوربية، وبالتالي فإن المرحلة النهائية لعملية التحديث ستشهد انتهاء التنوع الثقافي للشعوب ليسود الغربي وتسود الثقافة الغربية. ثم تطور مفهوم التحديث عبر مسار طويل، لينتهي كل الباحثين إلى ضرورة أخذ خصوصيات الشعوب الثقافية والاجتماعية والحضارية بعين الاعتبار، ويذهب الكثيرون إلى أن تطور البشرية لا بسير في اتجاه إلغاء تلك الخصوصيات، بل يتحرك نحو عالم تتقاسمه حضارات متعددة وثقافات متنوعة، وهكذا يعود الدين – الذي هو من أخص خصوصيات الشعوب إلى عمق عملية التحديث والتنمية، ليتعرف الجميع إلى أن إنكاره أو تجاهله من أكبر عوائقهما، فعلى الأقل من هذه الزاوية يكون للإسلام دور مهم في التحديث. ثانياً: من الناحية التاريخية، إذا تتبعنا احتكاك شعوبنا ومجتمعاتنا بالغرب، نجد أن تيار الإصلاح والبعث الديني كان له الدور الأكبر - ولا يزال - في بث مفاهيم التحديث ونشرها فمحاربة الخراف والتواكلية والتقليدية، واستبدالها بنوع لام الواقعية والسلبية وباحترام العقل والتفكير الحر كان من المفاهيم الكبرى التي قام بها رواد الإصلاح من أمثال الطهطاوي ومحمد عبده ورشيد رضا وعلال الفاسي وغيرهم، ولم يقصروا في التركيز على كثير من المفاهيم الحديثة المرتبطة بالحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية والديمقراطية... وكان الذي ساعدهم في بث تلك المفاهيم ارتباطهم بشعوبهم وبعقيدتهم الدينية، ومعاداتهم للاستعمار وتحذيرهم الصريح من الارتباط بالغرب، من حيث أخطأ الدعاة الليبراليون إلى الحداثة عندما دعوا صراحة إلى استيراد النموذج الغربي، فوجدوا أنفسهم في صراع ومواجهة مع شعوبهم فلفظوهم، ولذلك ذهب الباحث المغربي الأستاذ عبد الصمد بلكبير إلى أن السلفية تاريخياً هي مؤسسة التحديث، فالرواد المنعوتون بالليبراليين العرب أنتجوا التقليد في نظري مثل الاستعمار من حيث رغبوا في العكس، فلأنهم اعتمدوا التحديث تقنيات وأفكار تستورد، لا إنساناً حراً ووطناً مستقلاً واعتماداً شعبياً على الذات وحفاظاً على الخصوصيات... ويستطرد: وكان حواراني على كامل الحق عندما استخلص أن أهداف الحداثة ومضامين التحديث وتسربت إلى العقول والمؤسسات في البلاد العربية من خلال السلفيين أكثر مما تحققت عن طريق الليبراليين الحدثيين. كان هناك إذن مساهمة في تجربة التحديث التي مرت بها الأمة من قبل من انطلقوا في حركتهم النهضوية من الإسلام. هل صحيح أن من شروط التحديث الضرورية إبعاد الدين؟ لقد ذهب كثير من الباحثين إلى هذا القول انطلاقاً من تلازم التحديث مع العلمنة في الغرب، حتى اعتبروا تلك العلمنة شرطاً ضرورياً وأولياً، لا تحديث بدونه، لكن الباحث الألماني فريمان بيننر من الذين أكدوا على أنه علينا أن نبحث فيما إذا كان هذا الشرط صالحاً في المجتمع تكون فيه العلاقة بين الدين والسياسة مختلفة عما هي عليه في بلد تعتبر المسيحية الدين الأساسي فيه، ويشكك في فكرة ارتباط التحديث بالعلمنة، لأنه لا يجد شاهداً تاريخياً يوحي أو يوصي بذلك كما أن سيرورة التحديث في المغرب لا تدل عليه بالضرورة والترويج مثل حي على ذلك إذ أن التحديث فيها قد تم على يد حركة تقوية نهضوية، ومن جهة أخرى تبدوا اليابان مثلا آخر حيث حصل التحديث والتصنيع دون البحث في علمنة المجتمع (...) (الحل الإسلامي: إمكانيته وحدوده، مجلة الاجتهاد، العددان 15/16، ص 143)، ويبدو لي أن الكيان الصهيوني (ما يدعي بإسرائيل) مثال حي، فالدين حاضر من قمة رأسها إلى أخمص قدميها، بل إن أساس قيامها ديني توارتي (لأنها أرض الميعاد) وأسمها اسم نبي من أنبياء يهود. ورغم ذلك فهي في الحداثة جزء من الغرب. يبدو أننا استطعنا انطلاقاً من التطور النظري لمفهوم الحداثة، وانطلاقاً من الواقع المجرب، أن تثبت أن للدين مكانا مركزيا في عملية التحديث نظراً وتاريخاً وواقعاً. مداخل التجديد: إن التجديد في الدين أمر أصيل، ورد لفظاً في النص الصحيح، (( إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجد لها دينها )) فدين الأمة بنص الحديث قابل للتجديد، بل واجب التجديد، فلا بد أن يوجد من يجدده على فترات. لكن معنى التجديد ورد بألفاظ متعددة أخرى في نصوص القرآن والسنة من مثل الإحياء والتغيير... والتركيز على الاجتهاد واعتبار فرضا في أصول التشريع، والذم المعروف للتقليد واتباع الآباء في آيات القرآن الكريم، والحث على استعمال العقل بالنظر في الأنفس والآفاق، وعلى طلب العلم حيثما كان، وعلى طلب الحكمة من أي كان... كلها أصول في الدين مهمة، تفتح الباب واسعاً لقدرة كبيرة على التأقلم مع مستجدات الحياة على كل المستويات ويمكن أن نطرح تجديد الدين في الإسلام من زاويتين – زاوية علاقة المطلق بالنسبي، وزاوية علاقة الوحي بالعقل. بين المطلق والنسبي: فالدين من جهة المبادىء وعقائد وأحكام مطلق، تسمو فوق الزمان والمكان والظروف، وهو ن جهة أخرى أحكام نسبية تتغير بتغير تلك الأبعاد. ولا يمكن أن يكون هناك تجديد لولا هذه الدائرة الثانية النسبية، وليس هناك عالم متخصص في التشريع الإسلامي إلا ويعرف أن لا جدال في وجودها، بل إن ابن القيم يخصص لها مكاناً رفيعاً في قولته المعروفة: فصل في تغير الفتوى بتغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعادات، وهو فصل عظيم جدا وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على التشريع (...) وتحدث الأصوليون طويلا عن النصوص أو الأحاديث النبوية الخاصة أو الجزئية، والتي هي وقائع عين لا عموم لها. وجود الجانب النسبي في الدين إذن لا جدال فيه، وهو الإسلام لم يأت اتفاقاً، بل أتى قصداً انسجاماً مع عموم الرسالة الإسلامية وعالميتها. بين الوحي والعقل والدين وحي من عند الله، لكنه أيضا فهم البشر لذلك، وكسبه الواقعي في إطاره، فما يكتسب منه صفة، القدسية محدودة جدا وتركت المساحة الكبرى الاجتهاد العقل البشري ولم يقل أحد من علماء الإسلام إن الوحي أتى بديلا عن جهد البشر واستعمالهم لفكرهم بحرية وفي انطلاق. وعلى عكس المدارس القديمة أو الحديثة التي تحاول إلغاء العقل لحساب النقل أو العكس، ينظر المنظرون (أو النظار) المسلمون إلى الأمر على أساس أنه تفاعل بين نقل وعقل تكون الأولوية فيه للقطعي أو للراجح منها انطلاقاً من معايير موضوعية فهذا ابن تيمية في كتابه (درء تعارض العقل أو النقل) يرد على من يقدم العقل على النقل بإطلاق، لأنهم لأي شيء فسروا جنس الدليل الذي رجحوه أمكن تفسير الجنس الآخر بنظيره، وترجيحه كما رجحوه، ومن ثم فإن تقديم الجنس باطل، ينظر في عين الدليلين المتعارضين، فيقدم ما هو القطعي منها أو الراجح إن كان ظنين، سواء كان هو السمعي أو العقلي (1/137). فهناك إذن تفاعل بين الوحي والمعرفة التي يكتسبها الإنسان (العقل) ولأن أكثر النصوص ظنية في دلالتها، فهي موضوع اجتهاد واختلاف أفهام. وعادة ما يتم فهمها في إطار معارف العصر القطعية منها والظنية، وفي إطار الثقافة السائدة وهذا باب واسع إلى تجديد فهم الدين (دين الأمة) كلما توافرت الدواعي العلميةة أو العلمية لذلك. أليس من المشروع إن قول إن تجديد الدين تحديث فعلا، لأنه يوفر إمكانية استجابة كافية للتحديات الواقعية (الجانب النسبي) كما يوفر إمكانية تفاعل مع المعرفة الإنسانية (الجانب الظنيمن أحكام الدين) ؟ وهل التحديث إلا ذاك؟ التجديد وعقبات التحديث: ونضيف القول أن تجديد الدين يحمل الفاعلية الكافية لإزالة عقبات التحديث في مجتمعنا، بشرط أن تكون عقبات حقيقية واقعية. فمن جهة، وعلى عكس بعض الأديان الأخرى، لا قدسية في الإسلام لأي اجتهاد بشري أو فكر إنساني، فهذا كله مظنه الخطأ والصواب، والقدسية تكون فقط للوحي، وحتى تفسير الوحي أو تأويله لا يمكن أن يحتكره إنسان أو طائفة بل هو ينبني على قواعد وضوابط من جهة، وعلى اجتهاد البشر من جهة ثانية، لا تقليد وهو اكبر عقبات التحديث. وثانياً، مصادر التشريع الإسلامي واسعة بشكل كبير، يجعل من غير المعقول ألا تكون مرنة إلى حد القدرة على الاستجابة للحاجيات المتجددة لمجتمعاتها، فمنها كما هو معروف: المصلحة المرسلة والاستحسان والمعرفة... وقد يحسن أن نذكر هنا النص المشهور لشهاب الدين القرافي: ( فمهما تجدد من العرف اعتبره، ومهما سقط أسقطه، ولا تجمد على المسطور في الكتب طول عمرك، بل إذا جاءك رجل من غير أهل إقليمك يستفتيك لا تجره على عرف بلدك، واسأله عن عرف بلده وأجره عليه وافته به دون عرف بلدك والمقرر في كتبك، فهذا هو الحق الواضح، والجمود على المنقولات أبدا ضلال في الدين، وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين.). ورابعاً، يمكن المنهج المقاصدي من مرونة واسعة في التعامل مع كل ما يتصل بواقع الإنسان الثقافي والتربوي والسياسي والاجتماعي والاقتصادي... وقد تقرر لدى المحققين من الأصوليين أن الأصل في العبادات التعبد، والأصل في المعاملات الحكم والمقاصد، ولا يستثنى من هذا إلا الأصول والأحكام القطعية. لكن التجديد كي يكون في مستوى التغيرات والحاجيات، لا بد من أن يكون جذريا عميقا، وليس سطحيا، يلمس فقط بعض الفتاوى الفقهية. فهذا لا يكفي مع التغيرات الضخمة في واقع الإنسان وكم معارفه ووسائل اتصاله وإنتاجه،..... ابد من إعادة النظر في كثير من أصول النظر ومناهج التعامل، وتدقيق كثير من النظريات العامة لتنسجم أكثر مع الأصول الشرعية من جهة، ومع مستجدات المعرفة الإنسانية من جهة ثانية. وهذا كله متيسر في إطار منهج الإسلام وتشريعه الرحب المرن. وبعد: فقد رأينا كيف أن التحديث على النموذج الغربي تكريس للتخلف، وكيف أن الانطلاق من ذاتية الشعوب ومبادئهم شرط أساس لنجاح كل عملية تحديث. ثم رأينا كيف أن التجديد الإسلامي إلا أخذا لمستجدات الفكر البشري بعين الاعتبار، وتفاعلا مع تغيرات واقعه. كيف لا يكون – إذن – التجديد في إطار الإسلام الحقيقي؟ ثم إذا قبلنا جدلا التمييز بين سلفيين وحداثيين، فما أحوجنا ليكون الحداثيون أيضا سلفيين تجديدين، وما أحوجنا ليون السلفيون حداثيين معاصرين، وبهذا وحده تخرج الأمة من أزمتها في نظرنا. |
|
آخر تحديث ( Monday, 22 February 2010 )
|